بني عبيد..
عندما سقط الفارس الأبيض
أمام حلم مدينة صغيرة

26 ديسمبر 2008.. حين كتب فريق من الدرجة الثالثة واحدة من أعظم مفاجآت تاريخ كأس مصر، وأطاح بالزمالك حامل اللقب من دور الـ32 بهدف السيد المندوه.
عندما يصبح المستحيل حقيقة
في كرة القدم، لا تقاس قيمة الانتصارات دائمًا بحجم البطولات أو عدد الجماهير أو أسماء النجوم الذين يصنعونها. أحيانًا تكفي مباراة واحدة لتمنح مدينة بأكملها ذكرى لا تمحوها السنوات، وتضع فريقًا مغمورًا في صفحات التاريخ إلى جوار كبار اللعبة.
كان يوم الجمعة 26 ديسمبر 2008 موعدًا مع واحدة من تلك الحكايات الاستثنائية.
على استاد المنصورة، التقى الزمالك، أحد أكبر أندية مصر وإفريقيا، وحامل لقب كأس مصر في الموسم السابق، مع فريق بني عبيد، القادم من دوري الدرجة الثالثة، في مواجهة بدت على الورق محسومة لمصلحة الفريق الأبيض.
لكن كرة القدم لم تكن معنية بما تقوله الأوراق.
ففي الوقت الذي كان فيه الزمالك يبحث عن استعادة هيبته وإنقاذ موسمه، كان لاعبو بني عبيد يحملون حلمًا أكبر من إمكاناتهم، وطموحًا يتجاوز الفوارق الفنية والمادية بين الفريقين.
وبعد 80 دقيقة من الصمود والمقاومة، ظهر اسم السيد المندوه في المشهد، ليطلق تسديدة واحدة غيّرت تاريخ نادي بني عبيد، وأخرجت الزمالك من البطولة التي كان يحمل لقبها.
لم تكن مجرد هزيمة لفريق كبير، بل كانت لحظة انتصار لمدينة صغيرة، احتفلت بأن أبناءها استطاعوا الوقوف أمام الفارس الأبيض وإسقاطه من عرش الكأس.
الزمالك قبل الصدمة.. موسم مضطرب وأزمات متلاحقة
لم يدخل الزمالك مباراة بني عبيد وهو يعيش أفضل فتراته الكروية، بل كان الفريق يعاني من اضطرابات فنية وإدارية انعكست بوضوح على نتائجه في موسم 2008-2009.
كان النادي قد بدأ الموسم تحت قيادة المدرب الألماني راينر هولمان، الذي تولى المهمة خلفًا للهولندي رود كرول، لكن النتائج لم تكن على مستوى طموحات الجماهير، ولم تنجح الأسماء الكبيرة التي امتلكها الفريق في تقديم الأداء المنتظر.
في الدوري المصري، تراجع الزمالك إلى المراكز المتأخرة نسبيًا، وفقد الكثير من النقاط في الجولات الأولى، حتى أصبح بعيدًا عن صدارة المسابقة التي كان يتصدرها بتروجيت.
وكانت الأزمات الانضباطية جزءًا آخر من المشهد، بعدما فرض النادي عقوبات على عدد من لاعبيه، من بينهم محمد أبو العلا وأسامة حسن والبرازيلي ريكاردينيو، بسبب مخالفات تتعلق بالانضباط. <م>
ووصلت الأزمة إلى حد الاستعانة بعدد من لاعبي الشباب في إحدى مباريات الدوري أمام الإسماعيلي، والتي خسرها الزمالك بهدف دون مقابل.
وفي تلك الأجواء، لم يكن الخلل مقتصرًا على النتائج فقط، بل امتد إلى العلاقة بين الجهاز الفني واللاعبين، وإلى حالة عدم الاستقرار التي أحاطت بالفريق.
نهاية تجربة هولمان.. وتغيير جديد على مقعد القيادة
في السادس من ديسمبر 2008، أعلن الزمالك إنهاء تعاقده مع المدرب الألماني راينر هولمان بالتراضي.
وجاء القرار بعد سلسلة من النتائج السلبية، وفشل الفريق في تحقيق الفوز خلال آخر أربع مباريات بالدوري، إلى جانب الإخفاق في تجاوز دور الثمانية من دوري أبطال إفريقيا.
وكان هولمان قد سبق له تدريب الأهلي المصري، وحقق معه بطولة الدوري ثلاث مرات في منتصف التسعينيات، لكن تجربته مع الزمالك لم تسر بالطريقة التي كان يتمناها النادي.
وبعد رحيله، تولى أحمد رفعت قيادة الفريق فنيًا، في محاولة لاحتواء الأزمة وإعادة الانتصارات إلى القلعة البيضاء.
لكن البداية لم تكن مشجعة.
ففي أول مباراة تحت قيادته، خسر الزمالك أمام حرس الحدود بهدف دون مقابل، في لقاء مؤجل من الدوري، ليتجمد رصيده عند 18 نقطة ويتراجع إلى المركز السادس.
انتصار على الشرطة.. أمل قصير قبل مواجهة الكأس
بعد سلسلة الإخفاقات، نجح الزمالك في تحقيق فوز مهم على اتحاد الشرطة بثلاثة أهداف مقابل هدف، ضمن منافسات المرحلة الخامسة عشرة من الدوري.
كانت المباراة تحمل بعض الإشارات الإيجابية، فقد عاد الغاني جونيور أجوجو إلى التشكيل، وظهر شيكابالا بصورة مميزة، كما شارك عدد من الوجوه الشابة التي منحت الفريق بعض الحيوية.
افتتح شيكابالا التسجيل بتسديدة بعيدة المدى في الدقيقة 12، وتعادل ياسر مصطفى للشرطة في الدقيقة 16، قبل أن يعيد عبد الحليم علي التقدم للزمالك في الدقيقة 37.
وفي الشوط الثاني، اختتم جونيور أجوجو الثلاثية في الدقيقة 71.
ارتفع رصيد الزمالك إلى 21 نقطة، وبدأت الجماهير تتطلع إلى أن يكون هذا الانتصار بداية لتصحيح المسار.
لكن ما لم يكن يتوقعه أحد أن يكون هذا الفوز هو الهدوء الذي يسبق واحدة من أعنف العواصف في تاريخ النادي.
بني عبيد.. فريق صغير يحمل حلمًا كبيرًا
على الجانب الآخر من المواجهة، كانت الحكاية مختلفة تمامًا.
بني عبيد ليست من المدن المصرية الكبرى التي اعتادت الأضواء الرياضية، لكنها مدينة تنتمي إلى محافظة الدقهلية، وترتبط بتاريخ طويل من النشاط الزراعي والاجتماعي.
وفي قلب المدينة، كان هناك نادٍ رياضي يحمل اسمها، ويحاول أن يجد لنفسه مكانًا وسط خريطة كرة القدم المصرية.
لم يكن بني عبيد يمتلك ميزانيات الزمالك، ولا نجومه الدوليين، ولا جماهيره المنتشرة في مختلف المحافظات، لكنه امتلك مجموعة من اللاعبين الذين وجدوا أنفسهم أمام فرصة قد لا تتكرر في حياتهم الكروية.
كان الفريق يلعب في دوري الدرجة الثالثة، وكان الوصول إلى مواجهة الزمالك في دور الـ32 من كأس مصر إنجازًا في حد ذاته.
أما التفكير في الفوز، فكان يبدو أقرب إلى الخيال.
لكن بطولة الكأس لها طبيعة خاصة؛ فهي لا تمنح الأفضلية دائمًا للأكثر شهرة أو إنفاقًا، بل تترك الباب مفتوحًا أمام المفاجآت.
وكانت هذه هي الفرصة التي انتظرها أبناء بني عبيد.
هيرماس رضوان.. الرجل الذي ارتبط اسمه بالحكاية
كان هيرماس رضوان رئيس نادي بني عبيد أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بتلك الرحلة التاريخية.
لم يكن مجرد رئيس نادٍ صغير ينتظر مواجهة فريق كبير، بل كان صاحب طموح في أن يضع اسم ناديه على خريطة الكرة المصرية.
وبعد سنوات، عندما استعاد هيرماس رضوان ذكريات المباراة في تصريحات صحفية بمناسبة مرور عشر سنوات عليها، تحدث عن تفاصيل تكشف حجم الحماس الذي سبق المواجهة.
كان النادي يستعد لاستضافة الزمالك على ملعب بني عبيد، ووصلت سيارات مؤسسة الأهرام محملة بالإعلانات والتجهيزات الخاصة بالمباراة.
وكانت المدينة تنتظر يومًا استثنائيًا، تتحول فيه شوارعها وملعبها إلى مسرح لمواجهة أحد قطبي الكرة المصرية.
لكن قبل المباراة بنحو 12 ساعة، جاءت المفاجأة.
نقل المباراة إلى استاد المنصورة.. أول اختبار لأحلام بني عبيد
كان من المقرر أن تقام المباراة على ملعب بني عبيد، لكن الترتيبات الأمنية والتنظيمية أدت إلى نقلها إلى ستاد المنصورة.
وبالنسبة لنادٍ صغير كان يحلم باستقبال الزمالك على أرضه، لم يكن القرار عاديًا.
فقد خسر بني عبيد فرصة تاريخية للعب أمام جماهير مدينته وعلى ملعبه، في مباراة كانت تمثل حدثًا استثنائيًا لكل أبناء المنطقة.
ويقول هيرماس رضوان، في روايته التي استعادها بعد عشر سنوات، إن إدارة النادي فكرت في عدم خوض المباراة احتجاجًا على تغيير الملعب، قبل أن تتراجع بعد الحديث مع اللاعبين.
وكان رد اللاعبين، وفقًا لما رواه رئيس النادي، يحمل ثقة كبيرة:
لقد كانوا مستعدين لخوض المباراة حتى لو أقيمت على ملعب الزمالك نفسه.
بل إن هيرماس تحدث عن موقف طريف عندما نقل إلى المسؤولين إصرار لاعبيه على اللعب أمام الزمالك في ميت عقبة، في إشارة إلى أنهم لم يكونوا يخشون المواجهة.
ومع استمرار الاستعدادات، حاول رئيس النادي تهدئة حماس اللاعبين، وطالبهم بتقديم مباراة جيدة وتجنب الخسارة بفارق كبير.
لكنه فوجئ بثقة لاعبيه وإصرارهم على تحقيق المفاجأة.
لقد ذهب بني عبيد إلى المنصورة وهو يدرك أنه يواجه فريقًا أكبر منه بكثير، لكنه لم يذهب مستسلمًا.
26 ديسمبر 2008.. موعد المواجهة التاريخية
<PRIVATE_PERSON>
- المناسبة: دور الـ32 من بطولة كأس مصر 2008-2009.
- المباراة: الزمالك × بني عبيد.
- التاريخ: الجمعة 26 ديسمبر 2008.
- الملعب: استاد المنصورة.
- النتيجة: الزمالك 0-1 بني عبيد.
- مسجل الهدف: السيد المندوه في الدقيقة 80.
- التأهل: بني عبيد إلى دور الـ16.
كانت المباراة تحمل تناقضًا واضحًا بين الفريقين.
فالزمالك يدخل بتشكيلة تضم أسماء معروفة مثل عبد الواحد السيد وشيكابالا وجمال حمزة وعبد الحليم علي، بينما يحاول بني عبيد التعامل مع الفوارق الفنية والخبرات الكبيرة لمنافسه.
وكان الزمالك قد أعلن قائمة ضمت 20 لاعبًا، شهدت عودة عدد من العناصر التي غابت بسبب الإيقاف والإصابات، بينما غاب المهاجم الغاني جونيور أجوجو بسبب سفره إلى إنجلترا لقضاء أعياد الميلاد.
وعلى الرغم من غياب أجوجو، فإن التشكيلة البيضاء كانت تضم من الأسماء ما يجعل الفريق مرشحًا قويًا للفوز.
أما بني عبيد، فكان يعتمد على التنظيم الدفاعي والروح القتالية، مع محاولة استغلال أي مساحة في دفاع الزمالك.
شوط أول بلا أهداف.. والزمالك يكتشف صعوبة المهمة
منذ البداية، حاول الزمالك فرض سيطرته على المباراة، مستفيدًا من خبرة لاعبيه وفارق الإمكانات بين الفريقين.
واعتمد الفريق الأبيض على انطلاقات علاء علي من الجبهة اليسرى، وتحركات أحمد غانم سلطان من الجبهة اليمنى، إلى جانب اختراقات شيكابالا من العمق.
لكن بني عبيد لم يمنح منافسه المساحات التي يحتاجها.
انتشر لاعبو الفريق الصغير بصورة جيدة، وأغلقوا مناطق الخطورة أمام المرمى، مع فرض رقابة لصيقة على مهاجمي الزمالك.
وفي المقابل، بدا البطء واضحًا في بناء الهجمات البيضاء، ولم يتمكن عبد الحليم علي وشريف أشرف من استغلال الفرص القليلة التي وصلتهما.
وكانت أبرز محاولات الزمالك في الدقائق الأولى تسديدة لعبد الحليم علي مرت فوق العارضة، ثم محاولة أخرى انتهت بتمريرة من شيكابالا لم تجد من يتابعها.
ومع مرور الوقت، بدأ بني عبيد يشعر بأن المباراة ليست مستحيلة كما تصور كثيرون.
فالفريق لم يكتفِ بالدفاع العشوائي، بل نجح في إغلاق المساحات، وامتصاص الضغط، وإجبار لاعبي الزمالك على البحث عن حلول فردية.
وكان حارس بني عبيد إبراهيم فرج حاضرًا في إحدى المحاولات المهمة، عندما تصدى لتسديدة قوية من شيكابالا وحولها إلى ركنية.
وانتهى الشوط الأول بالتعادل السلبي.
كانت النتيجة في تلك اللحظة طبيعية في حسابات الفريق الصغير، لكنها بدأت تتحول إلى مصدر قلق للفريق الكبير.
الشوط الثاني.. سيطرة بيضاء ومقاومة لا تنكسر
دخل الزمالك الشوط الثاني بحثًا عن هدف ينهي المهمة، بينما استمر بني عبيد في تنفيذ خطته الدفاعية.
وقرر أحمد رفعت إجراء تغيير هجومي بإشراك جمال حمزة بدلًا من شريف أشرف، على أمل زيادة الفاعلية أمام المرمى.
لكن المشكلة لم تكن في غياب المحاولات بقدر ما كانت في عدم القدرة على اختراق التكتل الدفاعي المنظم للفريق المنافس.
حاول شيكابالا الاعتماد على مهاراته الفردية، وتحرك من الجبهة اليمنى إلى العمق، بينما استمر عبد الحليم علي في البحث عن فرصة داخل منطقة الجزاء.
وفي الدقيقة 60 تقريبًا، تعرض الزمالك لموقف دفاعي خطير بعد خطأ في تقدير الكرة من أحمد مجدي، لكن بني عبيد لم يتمكن من استغلال الفرصة.
وبمرور الدقائق، أصبح الزمالك أكثر استحواذًا على الكرة، بينما تراجع بني عبيد للحفاظ على التعادل.
وكانت المباراة تقترب من نهايتها، وأصبح السؤال الذي يشغل جماهير الفريقين: هل يستطيع الزمالك تسجيل هدف قبل اللجوء إلى احتمالات أخرى؟
بالنسبة لبني عبيد، كانت كل دقيقة تمر دون استقبال هدف بمثابة انتصار جديد.
أما الزمالك، فقد بدأت علامات التوتر تظهر على لاعبيه، خصوصًا أن الفريق لم يكن قادرًا على ترجمة تفوقه في الاستحواذ إلى فرص حقيقية كافية.
الدقيقة 80.. السيد المندوه يكتب التاريخ
<PRIVATE_PERSON>
وصلت المباراة إلى الدقيقة الثمانين، وكانت النتيجة لا تزال التعادل السلبي.
وفي الوقت الذي كان فيه الزمالك يضغط بحثًا عن هدف، كانت اللحظة التي ستغير تاريخ المباراة تقترب.
بدأت الهجمة من وسط الملعب، بعدما نجح أحد لاعبي بني عبيد في قطع الكرة من لاعبي الزمالك، لتصل إلى الجبهة اليمنى، حيث أُرسلت كرة طولية باتجاه السيد المندوه.
كان المندوه قد شارك بديلًا في الشوط الثاني، ولم يكن ضمن التشكيل الأساسي للفريق.
انطلق اللاعب بسرعة نحو منطقة الجزاء، مستغلًا المساحة التي ظهرت خلف دفاع الزمالك، ووصل إلى الكرة قبل أن يسدد بقوة تجاه مرمى عبد الواحد السيد.
ارتطمت الكرة بالقائم الأيمن، ثم استقرت داخل الشباك.
هدف!
بني عبيد يتقدم بهدف دون مقابل!
لم تكن مجرد كرة سكنت الشباك، بل كانت لحظة انفجار لفرحة فريق بأكمله، وربما مدينة بأكملها.
الزمالك، بكل تاريخه وأسمائه وبطولاته، أصبح متأخرًا أمام فريق قادم من الدرجة الثالثة، وعلى بعد دقائق من مغادرة بطولة كأس مصر.
أما السيد المندوه، فقد تحول في لحظة واحدة من لاعب بديل إلى بطل تاريخي لنادي بني عبيد.
كوتشي باتا.. تفصيله زادت الحكاية غرابة
ومن التفاصيل التي التصقت باسم السيد المندوه بعد المباراة، أنه لم يكن يرتدي الحذاء الرياضي المعتاد للاعبي كرة القدم المحترفين، بل كان يرتدي حذاءً رياضيًا اشتراه من شركة باتا.
وبعد سنوات، تناولت الصحافة هذه التفصيله باعتبارها واحدة من أغرب المفارقات المرتبطة بالهدف التاريخي.
لاعب من فريق درجة ثالثة، يرتدي حذاءً عاديًا نسبيًا، يدخل بديلًا في مواجهة الزمالك، ثم يسجل هدفًا يظل اسمه مرتبطًا به طوال حياته.
وكان المندوه قد تحدث في تصريحات صحفية لاحقة عن عدم رضاه في البداية عن قرار عدم مشاركته أساسيًا، قبل أن يمنحه الجهاز الفني الفرصة في الشوط الثاني.
ولم يكن يعلم أن الدقائق التي سيقضيها على أرض الملعب ستجعله أحد أشهر الأسماء في تاريخ ناديه.

الدقائق الأخيرة.. الزمالك يهاجم وبني عبيد يدافع عن الحلم
بعد الهدف، تغيرت طبيعة المباراة تمامًا.
أصبح الزمالك مطالبًا بإدراك التعادل في أسرع وقت، بينما تحول كل لاعب في بني عبيد إلى مدافع عن أغلى تقدم في تاريخ النادي.
حاول لاعبو الزمالك تكثيف الضغط، وتحرك شيكابالا بحثًا عن ثغرة في الدفاع، بينما اندفع زملاؤه إلى الأمام لمحاولة إنقاذ الموقف.

لكن بني عبيد حافظ على تماسكه، ولم يسمح لمنافسه بالوصول بسهولة إلى مرمى إبراهيم فرج.
وكانت إحدى المحاولات الخطيرة عندما راوغ شيكابالا أكثر من مدافع، ثم مرر كرة عرضية، لكن حارس بني عبيد نجح في إبعادها.
ومع اقتراب صافرة النهاية، بدأ لاعبو الفريق الصغير في إدراك أنهم أصبحوا على بعد دقائق من تحقيق إنجاز غير مسبوق.
كل تدخل دفاعي كان له قيمة، وكل كرة ينجحون في إبعادها كانت تقربهم خطوة من التاريخ.
حتى جاءت صافرة النهاية.
الزمالك 0 – 1 بني عبيد.
انتهت المباراة، وحدثت المفاجأة التي لم يتوقعها كثيرون.
بني عبيد أطاح بالزمالك من دور الـ32 لكأس مصر!
فرحة مدينة.. وانكسار الفارس الأبيض
كانت فرحة لاعبي بني عبيد وجهازهم الفني وإدارتهم تتجاوز حدود الانتصار الرياضي المعتاد.
فالفريق لم يهزم منافسًا من نفس مستواه، ولم يحقق مجرد ثلاث نقاط في مسابقة محلية، بل أطاح بأحد أكبر أندية القارة الإفريقية من بطولة رسمية.
كان اللاعبون يعرفون أنهم صنعوا شيئًا استثنائيًا، وأن أسماءهم ستظل مرتبطة بتلك المباراة.
وكان هيرماس رضوان، رئيس النادي، في قلب الاحتفالات، بعد أن تحولت مخاوفه قبل المباراة من الخسارة بفارق كبير إلى فرحة بانتصار تاريخي.

أما جماهير الزمالك، فقد تلقت صدمة جديدة تضاف إلى سلسلة الأزمات التي عاشها الفريق خلال ذلك الموسم.
فالخروج لم يكن أمام الأهلي أو الإسماعيلي أو فريق ينافس الزمالك على البطولات، بل أمام نادٍ من الدرجة الثالثة.
والأكثر إيلامًا أن الزمالك كان حامل لقب كأس مصر، بعدما فاز بالبطولة في الموسم السابق، ليودع الدفاع عن لقبه من أول مباراة له في المسابقة.
كانت ليلة بني عبيد، في المقابل، ليلة لا تشبه أي ليلة أخرى في تاريخ المدينة.
ما بعد الصدمة.. سقوط الكأس واستمرار أزمة الزمالك
لم تنتهِ آثار الهزيمة عند حدود الملعب.
فقد جاءت الخسارة لتزيد الضغوط على الجهاز الفني للزمالك، وتفتح من جديد ملف التراجع الفني والإداري الذي كان يحيط بالنادي.
وكان الفريق قد خسر قبلها أمام حرس الحدود، ثم حقق فوزًا على اتحاد الشرطة، قبل أن تأتي الهزيمة أمام بني عبيد لتؤكد أن الانتصار الأخير لم يكن كافيًا لإعادة الاستقرار.
ولم يعد الزمالك قادرًا على الدفاع عن لقبه في كأس مصر، كما أصبح مطالبًا بالتعامل مع حالة غضب جماهيري جديدة.
أزمة إدارية تنتهي بلجنة مؤقتة
وبعد أيام قليلة من المباراة، وتحديدًا في 31 ديسمبر 2008، أصدر المجلس القومي للرياضة قرارًا بتعيين لجنة مؤقتة لإدارة نادي الزمالك برئاسة الدكتور محمد عامر.
وجاء القرار بعد استقالة ممدوح عباس، الذي كان يتولى رئاسة النادي بصورة مؤقتة، في ظل استمرار الاضطرابات الإدارية التي أعقبت حل مجلس الإدارة السابق.
وضمت اللجنة عددًا من الشخصيات، من بينهم عبد الله جورج وحازم ياسين وأحمد بكري ومحمد إبراهيم.
وكانت الصورة العامة داخل النادي تعكس حالة من عدم الاستقرار، في الوقت الذي كان فيه فريق كرة القدم يمر بأحد مواسمه الصعبة.
وهكذا لم تكن هزيمة بني عبيد مجرد خسارة في بطولة، بل جاءت ضمن مرحلة مضطربة شهدت أزمات فنية وإدارية متلاحقة.
بني عبيد يواصل الحلم.. من دور الـ16 إلى نهاية الرحلة
بعد الإطاحة بالزمالك، لم تنتهِ مغامرة بني عبيد عند دور الـ32.
بل حصل الفريق على فرصة جديدة لمواصلة رحلته في بطولة كأس مصر، وصعد إلى دور الـ16 لمواجهة المنصورة.
لكن المغامرة توقفت عند هذه المحطة، بعدما خسر بني عبيد أمام المنصورة بركلات الترجيح.
وهكذا انتهت رحلة الفريق في كأس مصر، لكنه كان قد حقق بالفعل ما يكفي ليخلد اسمه في تاريخ البطولة.
لم يحصل بني عبيد على الكأس، ولم يصل إلى النهائي، لكنه حقق انتصارًا ظل أكبر من مجرد الوصول إلى أدوار متقدمة.
ففي ذاكرة جماهيره، كانت مباراة الزمالك هي البطولة الحقيقية.
السيد المندوه.. من لاعب بديل إلى صاحب أشهر هدف في تاريخ النادي
لم يكن السيد المندوه من الأسماء المعروفة قبل المباراة، ولم يكن يتوقع أن يصبح اسمه حديث وسائل الإعلام والجماهير المصرية.
لكنه وجد نفسه بعد تسجيل الهدف محط اهتمام القنوات الفضائية والصحف الرياضية.
وبحسب ما ذكرته التقارير الصحفية التي استرجعت قصته في عام 2018، كان عمره 31 عامًا وقت تسجيل الهدف، وحصل هو وزملاؤه على مكافأة بلغت ألفي جنيه من نادي بني عبيد تقديرًا للانتصار التاريخي.
كما تحدث المندوه عن المواقف الطريفة التي تعرض لها بعد المباراة، خاصة أن عددًا من أصدقائه كانوا من مشجعي الزمالك.
ووصل الأمر، بحسب روايته الصحفية، إلى أن بعضهم مازحه وعاتبه بشدة بسبب الهدف الذي أخرج ناديهم من الكأس.
لكن شهرة الهدف تجاوزت حدود المدينة، وأصبح اسم المندوه مرتبطًا بكل مرة تُذكر فيها مفاجأة بني عبيد.
لقد احتاج الزمالك إلى سنوات طويلة من تاريخه لصناعة بطولاته، بينما احتاج السيد المندوه إلى تسديدة واحدة ليحجز لنفسه مكانًا دائمًا في ذاكرة جماهير ناديه.
بعد عشر سنوات.. بني عبيد يستعيد ليلة المجد
في ديسمبر 2018، وبعد مرور عشر سنوات على المباراة، قرر نادي بني عبيد استعادة ذكريات تلك الليلة من خلال تنظيم احتفالية خاصة بالمناسبة.
وكان هيرماس رضوان حريصًا على التأكيد أن الاحتفالية لم تكن بهدف السخرية من الزمالك أو التقليل من تاريخه، وإنما لتكريم الجيل الذي صنع الإنجاز، وتذكير اللاعبين الجدد بما استطاع أبناء النادي تحقيقه.
وتحدث رضوان عن تفاصيل الاستعدادات للمباراة، ونقلها من ملعب بني عبيد إلى ستاد المنصورة، كما استعاد قصة السيد المندوه الذي لم يكن من المفترض أن يبدأ المباراة أساسيًا.
وأشار إلى أن الفريق كان يمتلك لاعبًا شابًا يبلغ 18 عامًا، وكانت هناك رغبة في إشراكه وتسويقه، لكن مشكلة تتعلق بنسيان بطاقة اللاعب في النادي حالت دون مشاركته في ذلك اليوم، ليحصل المندوه على فرصته ويكتب اسمه في التاريخ.
وكانت الاحتفالية مناسبة لتكريم اللاعبين والجهاز الفني وكل من ساهم في تحقيق ذلك الانتصار.
كما وجه رئيس النادي دعوة إلى الزمالك للمشاركة في الاحتفالية، تأكيدًا على أن قيمة الإنجاز لا تحتاج إلى الإساءة للمنافس الذي تحقق على حسابه.
رحيل هيرماس رضوان.. وبقاء الحكاية
في 18 نوفمبر 2020، توفي هيرماس رضوان، رئيس نادي بني عبيد، بعد تعرضه لأزمة صحية مفاجئة.
كان رحيله خسارة كبيرة للنادي، الذي ارتبط اسمه خلال سنوات طويلة بشخصيته الإدارية واهتمامه بتطوير الفريق.
وقد حرص عدد من الرياضيين على نعيه، وتحدثوا عن دوره في صناعة اسم كبير لنادي بني عبيد، وعن شغفه بالنادي والعمل من أجله.
وكان من بين الذين تحدثوا عنه ماهر عبد الحليم، المدير الفني الذي قاد الفريق في مباراة الزمالك، والذي وصفه بأنه كان رمزًا كبيرًا لبني عبيد، وصاحب دور مهم في صناعة اسم الفريق.
رحل هيرماس رضوان، لكن الليلة التي عاشها مع لاعبيه في استاد المنصورة بقيت جزءًا من تاريخ النادي.
الخاتمة.. انتصار لا تقيسه البطولات
قد لا يكون بني عبيد قد فاز بكأس مصر في موسم 2008-2009، وقد لا يكون اسمه من الأسماء التي اعتادت الظهور في مقدمة جدول الدوري المصري، لكن ما حدث في 26 ديسمبر 2008 منحه مكانة خاصة في تاريخ كرة القدم المصرية.
ففي ذلك اليوم، لم يكن هناك فارق بين فريق يمتلك ملايين المشجعين وآخر ينتمي إلى مدينة صغيرة، ولم تكن البطولات السابقة كافية لحسم المواجهة، ولم تكن أسماء النجوم قادرة على منع المفاجأة.
كان هناك فريق اسمه بني عبيد، آمن لاعبوه بأنهم قادرون على تحقيق ما بدا مستحيلًا، ومدينة انتظرت أن ترى أبناءها يصنعون إنجازًا يتجاوز حدودها.
وكان هناك السيد المندوه، الذي دخل الملعب بديلًا، وسجل هدفًا سيظل مرتبطًا باسمه واسم ناديه إلى الأبد.
في كرة القدم، قد تنسى الجماهير كثيرًا من المباريات، وقد تتغير الأجيال وتتبدل أسماء اللاعبين والمدربين، لكن بعض اللحظات لا تسقط من الذاكرة.
26 ديسمبر 2008.. يوم انتصر فيه حلم مدينة صغيرة على تاريخ الفارس الأبيض.
ويوم أصبح فيه بني عبيد، ولو لليلة واحدة، حديث الكرة المصرية بأكملها.






