حمكشة ..!!
اللاعب الذى هزم الأهلي

في تاريخ الكرة المصرية لحظات نادرة تتحول فيها مباراة عادية إلى حدث يبقى محفورًا في الذاكرة الجماهيرية لعقود، ومانشيت واحد يكفي لتخليد اسم لاعب إلى الأبد. هذا بالضبط ما حدث في التاسع عشر من ديسمبر عام 1971، حين كتب الصحفي الراحل عبد الفضيل طه على صفحات جريدة “المساء” عبارته التاريخية: “حمكشة يهزم الأهلي في ربع ساعة“. كلمات قليلة، لكنها كانت كافية لتحويل لاعب متواضع الشهرة إلى أسطورة شعبية، ولتثبيت اسم نادي البلاستيك في سجل الأندية التي جرؤت على تحدي المارد الأحمر وانتصرت عليه.
فمن هو “حمكشة”، وكيف صنع هذه المفاجأة التي هزت الأوساط الرياضية المصرية؟
من الجبل الأصفر إلى ملاعب القلعة البيضاء
وُلد إبراهيم عبدربه، الذي عُرف لاحقًا بلقب “حمكشة”، عام 1946 لأسرة تعود جذورها إلى محافظة أسوان، وذلك في قرية الجبل الأصفر التابعة لمركز ومدينة الخانكة. لم تكن هذه القرية غريبة عن إنجاب المواهب الكروية، إذ خرّجت قبله وبعده أسماء لامعة مثل طه بصري وشقيقه حسن، ومحمود سعد، وسعيد الجدي.
تعلّق إبراهيم بكرة القدم منذ الصغر، وبدأ خطواته الأولى على ملاعب سلاح حرس الحدود، حيث برز موهبته بعد التحاقه بالتجنيد، قبل أن ينتقل إلى نادي الزمالك ليبدأ مشوارًا مختلفًا كليًا.
البداية مع الزمالك وجيل “المظلومين”
التحق حمكشة في منتصف الستينيات بقطاع الناشئين في نادي الزمالك، وتتلمذ على يد مدربين بارزين كان أشهرهم الكابتن حمادة الشرقاوي. وقد ضم قطاع الناشئين آنذاك كوكبة من المواهب الشابة، من بينهم طه بصري، ومحمد توفيق، ومجدي سالم، وغانم سلطان، وحسام وصفي، وعبد الحميد الريّس، ومحمد إمام، وسليمان كشمير، وعلي خليل، وفاروق جعفر.
غير أن هذا الجيل، رغم موهبته، لم يحظَ بالفرصة الكاملة لإثبات نفسه، إذ تزامن ظهوره مع أحداث نكسة يونيو 1967 وما تلاها من توقف النشاط الكروي وانصراف الجمهور عن الملاعب لفترة، مما جعله يوصف لاحقًا بـ”الجيل المظلوم”.
حكاية اللقب: كيف وُلد اسم “حمكشة”؟
لم يكن إبراهيم عبدربه راضيًا يومًا عن لقبه الذي أطلقه عليه المعلق الرياضي الشهير محمد لطيف أثناء فترة لعبه بالزمالك. كان كلما التقى به يطلب منه العدول عنه قائلًا: “يا كابتن علشان خاطري قول اسمي إبراهيم عبدربه وبلاش اسم حمكشة.. ده عقوبة مش لقب يا أبو الكباتن”، فيرد عليه لطيف بإصرار: “لازم اسم حمكشة، لأن له رنينًا خاصًا في أذن الجمهور”.
وقد أثبتت الأيام صحة رأي لطيف؛ فحتى الفنان الزملكاوي الكبير عبد الله غيث كان يشيد بالاسم كلما التقى به داخل أسوار النادي قائلًا: “اسم حمكشة ده كله مزيكا”. بل إن اللقب تجاوز صاحبه ليصبح ظاهرة اجتماعية، إذ أطلقت أكثر من خمس عائلات في قرية الكوم الأحمر بمركز أوسيم على أبنائها اسم “حمكشة” بعد الهدف الشهير في مرمى الأهلي، كما فعل أهالي قريته الجبل الأصفر أيضًا تخليدًا لبطولته.
طالع أيضا .. عقاب الألقاب للكاتب جمال عبدالحميد

الانتقال إلى البلاستيك.. ميلاد فريق جديد
في أوائل السبعينيات، انتقل حمكشة إلى صفوف نادي البلاستيك، الذي كان قد بدأ للتو مشواره في الدوري الممتاز، بعدما أنفقت الشركة الأهلية للبلاستيك التابع لها النادي إمكانيات كبيرة لبناء فريق قوي قادر على منافسة الكبار. رافقه في هذه الخطوة نجوم آخرون من رفاق مشواره في الزمالك، مثل حسام وصفي (والد الحكم الدولي أحمد حسام “ميدو”)، وعبد الحميد الريّس، ومحمد إمام.
وبعد سنوات من الصعود التدريجي عبر دوري القسمين الثالث والثاني، حقق البلاستيك حلمه بالوصول إلى دوري الدرجة الأولى في موسم 1971-1972، وكان حمكشة على رأس قائمة التدعيمات التي راهنت عليها إدارة النادي.
موسم استثنائي.. وذروته مواجهة الأهلي
حقق البلاستيك في ذلك الموسم، الذي أُلغي لاحقًا بعد الأسبوع التاسع إثر أحداث مباراة الأهلي والزمالك الشهيرة، نتائج لافتة لفريق صاعد حديثًا؛ إذ فاز على المصري البورسعيدي بهدف نظيف، وتعادل مع الزمالك بهدف لكل فريق، وحقق الفوز على نادي الطيران، إلى جانب تعادلات أخرى مع الاتحاد السكندري ودمياط.
لكن الحدث الأبرز جاء في الأسبوع الثامن، حين واجه البلاستيك، الذي كانت هذه أولى مشاركاته في الدوري الممتاز، النادي الأهلي على استاد مختار التتش بالجزيرة. لعب البلاستيك مباراة دفاعية محكمة حتى الدقيقة الثلاثين من الشوط الثاني، قبل أن يدخل حمكشة بديلًا ليغيّر مجرى اللقاء بالكامل. فرض خط هجوم البلاستيك سيطرته، وارتبك دفاع الأهلي، حتى تمكن حمكشة في الدقيقة 39 من تسجيل هدف المباراة الوحيد، لينتهي اللقاء بفوز البلاستيك بهدف نظيف على حساب المارد الأحمر، في مفاجأة لم يكن يتوقعها أحد.
الصحف تحتفي بالبطل.. ومكافأة استثنائية
أحدث فوز البلاستيك التاريخي على الأهلي دويًا كبيرًا في الأوساط الرياضية المصرية، وقررت إدارة النادي مكافأة لاعبيها بمبلغ عشرين جنيهًا لكل لاعب، فيما حصل حمكشة، صاحب الهدف، على مكافأة إضافية بلغت 25 جنيهًا تقديرًا لدوره الحاسم.
وفي صباح اليوم التالي، تصدّر اسم حمكشة صفحات الجرائد الرياضية؛ فكتب الراحل عبد المجيد نعمان في جريدة “الأخبار”: “بهدف حمكشة.. فاز البلاستيك على الأهلي 1/صفر.. أراد الأهلي أن يفوز في أول 5 دقائق، فانهزم آخر 5 دقائق.. جمهور الأهلي يهتف: يا بلاستيك يا هندسة، ويشعل الأوراق تعبيرًا عن استيائه”. أما جريدة “المساء”، فخلّد الراحل عبد الفضيل طه اللحظة بمانشيته الشهير الذي لا يزال يُستحضر حتى اليوم: “حمكشة يهزم الأهلي في ربع ساعة“.
هدف غيّر مسار موكب الرئيس السادات
لم تكن تداعيات الهزيمة رياضية فقط، بل امتدت إلى الشارع؛ إذ اندلعت أعمال شغب من جانب بعض جماهير الأهلي الغاضبة داخل وحول استاد مختار التتش، وصلت إلى حد تحطيم بعض المرافق. وفي تلك الأثناء، كان الرئيس محمد أنور السادات في طريق عودته من زيارة لأحد رؤساء أوروبا، فاضطر وزير الداخلية آنذاك ممدوح سالم إلى تغيير مسار موكبه الرئاسي تفاديًا للاضطرابات المصاحبة للهزيمة.
ووفقًا لما نقله لاحقًا نجل اللاعب في أحد اللقاءات التلفزيونية، عقّب السادات على الموقف بجملة باتت هي الأخرى جزءًا من حكاية هذا اليوم: “حمكشة يسجل هدفًا في النادي الأهلي.. والرئيس السادات لا يعرف طريق العودة إلى منزله“.

مسيرة مستمرة مع البلاستيك والطيران
واصل حمكشة تألقه مع البلاستيك في موسم 1972-1973 تحت قيادة المدرب عبيد خفاجي، محققًا تعادلات مع القطبين الأهلي والزمالك، وفوزًا على المصري البورسعيدي ودمياط. ثم انتقل في موسم 1974-1975 إلى نادي الطيران، الذي شهد بدوره مع حمكشة انطلاقة قوية بفوزه على الزمالك في مناسبتين، وتسجيله ستة أهداف في ذلك الموسم وحده.
استمر حمكشة يقود خط هجوم الطيران حتى موسم 1976-1977، الذي شهد هبوط الفريق إلى الدرجة الثانية، لتبدأ رحلة اعتزال جيل كامل من نجوم تلك الحقبة، وعلى رأسهم حمكشة نفسه.
من الملعب إلى دكة التدريب
بعد اعتزاله اللعب، لم يبتعد إبراهيم عبدربه عن عالم الساحرة المستديرة، بل اتجه إلى التدريب، وتولى مسؤولية عدد من الأندية المصرية. ومثّلت توليه تدريب المنتخب المصري العسكري عام 1986 إحدى أبرز محطاته التدريبية، حيث أشرف على تطوير نجوم بارزين مثل علاء ميهوب، ومحمد سعد، وطارق العشري، وطلعت منصور، وحسين عبد اللطيف، وحسين السيد.

ربع ساعة غيّرت التاريخ
تبقى قصة إبراهيم عبدربه “حمكشة” واحدة من أجمل حكايات الكرة المصرية التي تثبت أن التاريخ لا يُكتب دائمًا بأيدي الأندية الكبرى وحدها، بل قد يصنعه لاعب واحد، في لحظة واحدة، أمام جمهور غفير لم يكن يتوقع سوى الانتصار. فبعد أكثر من خمسة عقود على تلك المباراة، لا يزال اسم “حمكشة” حاضرًا كلما استُعيدت ذكرى أحد أعظم المفاجآت في تاريخ الدوري المصري، حين نجح لاعب من نادٍ ناشئ في إسكات جماهير المارد الأحمر، وتحويل ربع ساعة من الزمن إلى لحظة خالدة في الذاكرة الرياضية المصرية.
طالع أيضا علي كورابيديا …
- إبراهيم عثمان .. نجم الكرة ومطرب التراث
- محمد عباس .. النجم الذي هوي
- بسطان والجندي .. صداقة حتي الموت
- الغزال الأسمر “لوفا” .. نجم نادي القناه | من النجومية والإبهار إلى الضياع والانهيار
- نصر الدين موسى .. ناشئ الزمالك الذى لعب في كوزموس الأمريكي !
- حليل سعد .. فهد الزمالك الأسمر
- حسن دنجل فرج “اللالى” .. اللاعب ذو المنديل الأبيض
- لمعي عبدالسميع .. نجم المنصورة الذي تنافس عليه الأهلي والزمالك















