سلسلة حكايات كأس العالم
(1) ملهمة العالم وليلاه

الآن فقط، تُصاب الكرة الأرضية بأحد أشد أنواع الإنفلونزا؛ تصاب وهي في قمة النشوة والارتياح، تصاب ولا تطلب علاجاً، وإنما تشتاق للمزيد من الفيروس.. الفيروس الذي يتعاطاه البشر كما لو كان نبتة خشخاش أو جرعة هيروين. إنه فيروس كأس العالم؛ الكل يعلن الاستعداد، الكل يأمل ويطمح ويذهب بآماله بعيداً، الكل يخطط ويدبر ويحشد، الكل يعلن أعلى درجات الاستعداد وأقصاها.
ولكن للأسف، الكأس بخيلة..!!
لا تقبل غير عدد محدود جداً من محبيها، من مريديها، ممن يستحقونها، ممن يطلبون ودها. يا لبُخلك وقترك يا هذه! يا لغرورك وجحودك وإجحافك! يا لصلفك أيتها الكأس الكبيرة..!!
الكل يحبك، يحلم بودك، بمداعبتك، بالوصول إلى جوارك؛ وأنت بكل غرور تتمنعين، تُلوعين، ولا تداعبين. ورغم ذلك، الكل يعشقك، يطلب رضاكِ، يعلق صورك في كل مكان؛ على بوابات الأبراج الشاهقة، وقصور الرئاسة، على السيارات والقطارات والطائرات، وعلى أعمدة الإنارة، في القلوب والعقول، في الساحات وفي الأحراش، في المزارع الخضراء وفي النوادي وأوكار العصابات.

ما بين القارة العجوز والأدغال السمراء، ما بين تاج محل وسور الصين العظيم، على أطراف القوقاز وشلالات نياجرا، في كهوف إيفرست وقمم الهيمالايا؛ أضحت صورك في كل مكان، رغم غرورك وتمنعك، رغم ضناكِ وترفُّعك.
في القارة البيضاء يعرفون قدرك جيداً، فيعدون العدة، ويوقعون العقود، ويدبرون الخطط والمكائد. يرصد عاقلوها الأجواء ويمحصون الأخبار، ينتقلون في النبوءات من نصر إلى خيبة أمل، ومن صعود إلى إقصاء. والعيون ترقب مَرَدة القارة يلتهمون بكل شراسة صغارها، يفردون الأشرعة ويذهبون إلى أبعد من الاقتراب منك، لأنهم يعتقدون أنهم الأسياد، وأنت الوحيدة التي تكسر أنوفهم وتحطم معابد غطرستهم.
وهناك، بعيداً وراء المحيط، أصحاب الألسنة الإسبانية والبرتغالية؛ هناك عند شاطئ كرة القدم، عند مزارع القهوة، عند أنهار “لا بلاتا”، يعشقونك حتى النخاع. رغم فقرهم ومشاكلهم ينسون كل شيء ويتذكرون شيئاً واحداً فقط: أنتِ. هم يذوبون عشقاً في استدارتكِ، وفي قدّك المتمايل يثملون ويسكرون، يعشقون سحرك وأنانيتك وهوس حساباتك. بكوا في “الماراكانا” يوم غضبتِ عليهم، ورقصوا يوم ميلادك بين أيديهم، واليوم يحرقهم عقوقك وعنادك وغدرك.

وعن أصحاب البشرة السمراء لا تسل؛ مقامرون على أعلى مستوى، مغامرون إلى أقصى الدرجات، هوايتهم تكدير العمالقة وتنغيص الكبار. يجيئون من قلب القارة السمراء لممارسة “القرصنة” الكروية، ولأنهم يعرفون جيداً أنك بعيدة المنال، لا يقفون عندك كثيراً، وإنما يحاولون على استحياء لفت أنظارك، يكتبون على صدورهم: “لسنا أطراف القضية، جئنا للمتعة فقط”. نحن عصابات توتسي وهوتو وزولو وبربر وحفنة فراعنة، أتينا فقط للمشاغبة.
وفي نهاية طابور الضيوف، أصحاب المقاعد الصغيرة؛ لا يلفتون انتباهك، يأتون ويذهبون في خجل شديد. فضيافتك تكفيهم، واعترافك يُشجيهم. يسجلون أسماءهم في كشف الحضور ثم يرحلون؛ تركوا أحلامهم في ديارهم، وجاءوا من وراء النهرين ومن خلف المسيسيبي، أقزام صغيرة يحترمون مكانتهم فلا يغرقون.
كأس العالم .. أنتِ ملهمة العالم وليلاه، أنتِ جولييت البشر، لقطة الأنفاس في خضم البارود، وصرخة الصغار في وجه الطاغوت، وفسحة الضوء في نفق الحروب.

هي قصة أبدية لا نهاية لها، سمعتها من جدي وسأحكيها لأولادي وأحفادي. سأحكي عن “ذو الذراع الواحدة”، عن لوسيان لوران، فونتين، هيرست، موللر، كارباخال، وأديسون أرانتيس (بيليه). سأحكي عن الجناح الطائر، كيمبس، عقرب الكاميرون، بلاتيني، باجيو، زيزو، وصولاً إلى البرغوث والدون.
سأظل أحكي عن حسرة الماراكانا، عن دموع رينسينبرينك، عن هدف 66 المثيرة للجدل، عن محاربي الصحراء، وعن الدكتور سقراط، ومؤامرة النمسا، ويد مارادونا.

كأس العالم رواية لن يُسدل عنها الستار؛ فمن قبل كانت يوغوسلافيا، وكانت هنغاريا، وكان الدب السوفييتي العتيد.. ذهبوا وبقي سحر البطولة قائماً. سحر يزداد تألقاً كلما شاخت، فالحقيقة الوحيدة التي لا يختلف عليها أحد هي أننا جميعاً نعشق كرة القدم، وكأس العالم هي مخدعها المخملي.
طالع ايضا علي كورابيديا
🔗 سلسلة وجهاء أفريقيا .. للكاتب محمد رضوان
🔗 وقالت المستديرة .. هيت لك “لُعبة الساسة” | الكاتب محمد رضوان
وقالت المستديرة .. هيت لك “لُعبة الساسة” | الكاتب محمد رضوان
🔗 كتاب “الأهلي نادي الدولة” ..! إصدار جديد لـ “أديب الرياضة” محمد رضوان .. يفتح الملف الأكثر جدلا










