سلسلة حكايات كأس العالم
(2) الملك المدرب – مونديال 1930

لم يكن المونديال في مهده مجرد ركضٍ خلف كرة من الجلد، بل كان فجرًا لعالمٍ جديد يتشكل، وصخبًا يملأ الفراغ بين القارات، وفي تلك الآونة، لم يقف الملوك بمعزلٍ عن سحر الساحرة المستديرة، بل كان منهم من رأى في تلك الكرة الملونة طموح أمة، وراية وطن، واختزالًا للمجد فوق بساط أخضر، فمن قلب القصور العتيقة في بوخارست، خرج الملك “كارول الثاني” ليكتب فصلاً استثنائيًا، حيث لم يكتفِ بمباركة اللعب، بل صار هو المدرب، والمنظم، والضامن لرحلةٍ شقت عباب الأطلسي نحو المجهول الأوروجواياني ..
الملك المدرب ..!!

يُعد موقف الملك “كارول الثاني” ، ملك رومانيا، من أغرب وأكثر القصص إثارة في تاريخ مونديال 1930 .. البطولة الأولي لكأس العالم في الأورجواي، وتتلخص أدوار البطولة التي لعبها فيما يلي …
العفو الملكي والمشاركة الإجبارية ..
كانت رومانيا تنوي الاعتذار عن المشاركة في كأس العالم، وذلك لبُعد المسافة وتكاليف السفر، لكن الملك “كارول الثاني” الذي جلس على العرش منذ 35 يوم فقط، بعد العودة من منفاه في إنجلترا كان عاشقًا للرياضة، وأصرّ على المشاركة، بل وأصدر عفوًا عن جميع اللاعبين الموقوفين لأسباب تأديبية لضمان تشكيل أقوى فريق ممكن.
اختيار التشكيلة (المدرب الملكي) ..
لم يترك الملك “كارول الثاني” الأمر للمصادفة؛ إذ يُقال إنه تدخل شخصيًا في اختيار قائمة اللاعبين الذين سيمثلون رومانيا، كما وضع معايير صارمة واختار العناصر التي يرى أنها ستحمل هيبة المملكة الرومانية في ملاعب مونتفيديو
حماية الوظائف (الضمان الاجتماعي) ..
واجهت اللاعبين مشكلة كبرى، وهي خوفهم من فقدان وظائفهم بسبب مدة السفر الطويلة (التي استغرقت أسابيع بحرًا)، هنا تدخل الملك وأصدر مرسومًا يقضي بضمان وظائف جميع اللاعبين عند عودتهم، وتوعد أي صاحب عمل يفصل لاعبًا بالعقاب الشديد.
سيمفونية المحيط ..

لم تكن هناك طائرات، فسافر الفريق الروماني على متن السفينة الشهيرة “كونتي فيردي” (Conte Verde) والتقى الفريق في الطريق بمنتخبات فرنسا وبلجيكا والبرازيل، بالإضافة إلى رئيس الفيفا آنذاك “جول ريميه” الذي كان يحمل الكأس في حقيبته.
لم تكن “كونتي فيردي” مجرد وسيلة نقل، بل كانت “قرية أولمبية عائمة”. بدأت الرحلة من ميناء “جنوة” الإيطالي في يونيو 1930، وعلى متنها المنتخب الروماني الذي اختاره الملك “كارول الثاني” بنفسه.
محطات الالتقاء ..
توقفت السفينة في “فيلفرانش سور مير” لتأخذ المنتخب الفرنسي ومعهم “جول ريميه” والكأس الذهبية المخبأة في حقيبته، ثم توقفت في برشلونة لتأخذ المنتخب البلجيكي، وأخيراً في ريو دي جانيرو لتنضم البعثة البرازيلية إلى هذا المزيج العجيب من اللغات والثقافات.
إنها الرحلة التي لم تكن مجرد سفر لبعثة رياضية، بل كانت “ملحمة بحرية” جمعت بين الطموح، والملل، والتدريبات الغريبة فوق أسطح السفن. إليك تفاصيل تلك الرحلة الأسطورية على متن السفينة “كونتي فيردي” .
التدريب وسط الأمواج ..
تخيل نخبة لاعبي العالم وهم يحاولون الحفاظ على لياقتهم في مساحة ضيقة! ، كان اللاعبون يركضون في ممرات السفينة، ويمارسون تمارين السويدي فوق السطح، بينما كانت الكرات تتساقط أحياناً في أعماق الأطلسي نتيجة ركلة خاطئة أو اهتزاز السفينة، أما الحراس، فكانوا يتدربون على القفز فوق الحبال وصناديق الأمتعة.
النظام الغذائي والمعاناة ..
كانت الوجبات فاخرة لأن السفينة كانت مخصصة للأثرياء، وهو ما شكل تحدياً للاعبين للحفاظ على أوزانهم، ومع طول الرحلة التي استغرقت حوالي 15 يوماً ، بدأ “دوار البحر” يفتك ببعض اللاعبين، بينما كان الفرنسيون والبلجيكيون يقضون وقتهم في غناء الأناشيد الوطنية لرفع الروح المعنوية.
خاتمة الموقف ..
على الرغم من أن رومانيا لم تفز باللقب، إلا أنها حققت انتصارًا في أول مباراة لها على بيرو (3-1)، وكان هذا الحضور الروماني القوي بفضل “إرادة ملكية” رأت في كرة القدم لغة عالمية قبل أن يدركها العالم بأسره.، لقد أثبت الملك “كارول الثاني” أن الإيمان بالفكرة أحيانًا قد يضاهي المهارة فوق أرض الملعب.

“خطة الملك” .. قيد التنفيذ
اللاعبون الرومانيون كانوا يشعرون بضغط مضاعف؛ فهم ليسوا فقط تحت مراقبة مدربهم، بل تحت عين الملك “كارول الثاني” الذي ينتظر منهم العودة بما يشرف التاج.
يُحكى أن التدريبات الرومانية على السفينة كانت الأكثر انضباطاً، حيث كان الملك “كارول الثاني” قد أوصى الإداريين المرافقين بكتابة تقارير يومية عن سلوك اللاعبين والتزامهم، مما جعلهم يعيشون أجواء “المعسكر المغلق” وسط البحر.
وكتب اللاعب الروماني رودولف ويتزر عن ذلك في مذكراته : (في 18 يونيو، وصلنا إلى جنوة، كانت رحلة شاقة للغاية، قضينا ليلتين في مقصورات الدرجة الثانية، وبفضل فرق السعر بين الدرجة وعربة النوم، اشترينا ملابس ثقيلة في بوخارست بالدين، ضاعت ليلتان، ضاق بنا الحال، وكُسرت عظامنا، لكن الأمر كان يستحق كل هذا العناء).
الكرة في الماء ..
في 22 يونيو، عندما كان المنتخب الروماني يمارس بعض المناورات بالكرة، وهو ما كان يحدث نادرًا، أسقط لازلو رافينسكي الكرة في البحر، ولما شعر بغضب الحاضرين، أراد أن يقفز خلفها، بل واستعار سترة نجاة من بحار دالماتي روماني، إلا أن أمرًا من الملك منعه من التهور، وبالطبع لم يفكر أي لاعب بعدها من مداعبة الكرة على سطح السفينة، وقد أكدت بعض التقارير على أن الملك “كارول الثاني” بنفسه كان يُشارك اللاعبين التدريب تحت قيادة المدرب كوستيل رادوليسكو.
وكتب قبطان السفينة الإيطالي في ملاحظاته : (لقد تحولت السفينة إلى ساحة رياضية عائمة، ووفرت إدارة السفينة للرياضيين ما اعتبرته ضروريًا للحفاظ على لياقتهم البدنية خلال الرحلة الطويلة، صالة رياضية، ومسبح، وطاولات تنس طاولة، ورغم هذا فقد رغب اللاعبون في التدرب على سطح السفينة، وسمحت بذلك، ولكن بحدود، أهمها عدم استخدام الكرة، لكن ما كان يحيرني هو سقوط بعض الكرات إلى المياه) ..
وأضاف القبطان: (هؤلاء اللاعبون يتمتعون بشخصيات مميزة، قد يظنهم من لا يعرفهم من عمال الموانئ الأشداء، فقد كانوا أقوياء، ويتحلون بشجاعة كافية مع تلك الكرة الجلدية التي تبدو كالحجر، والتي تحتوي على خياطة بارزة ، لقد كانوا بارعين، ويلمعون أحذيتهم الجلدية ذات الرقبة العالية التي تغطي كواحلهم).
أمسيات لم تخلو من الشكاوي ..
كان هناك وقت أيضًا للاحتفال، وفي كل مرة يبدأ الحفل الموسيقي أو بعض العروض الكوميدية، يصعد الركاب إلى سطح السفينة لحضور ذلك الأداء الفني الراقي، وهذا حسب ما ذكره الحكم البلجيكي (جون لانجينوس) ، الذي نال شرف إدارة المباراة النهائية فيما بعد ، لقد كانت الرحلة أشبه بالإقامة في منتجع سياحي .
وبمجرد أن عبرت السفينة خط الاستواء، طلب بعض النزلاء من المغنيان فيودور شاليابين وآني نيسبولوس أن يقدما عرضًا غنائيًا، حيث كانا من ركاب السفينة، لكن الأوبراليان رفضا أن يقدما عروض مجانية، وأنقذت الجوقة الرومانية الموقف، وقامت بتسلية اللاعبين ببعض الأغاني، فكانت أمسية رائعة لنزلاء كونتي فيردي
لم تسلم الرحلة من بعض الصعوبات، فقد وصف مهاجم رومانيا روبرت فيتزر الرحلة بعد سنوات طويلة قائلاً : (كانت المقاعد مروعة، والمقاعد الخشبية كانت تغرز في عظامنا، لكن الأمر كان يستحق) ، بينما زعم أراكين باتوسكا مهاجم البرازيل بعد 36 سنة من الرحلة، أنه حصل على مكان أقل راحة من لاعبي فلومينينسي وبوتافوغو، الذين تمتعوا بامتيازات أرستقراطية خلال الرحلة.
لقد كان قبطان السفينة كونتي فيردي مُحِقًّا حينما كتب : (لديّ شعور بأنّ هذه ليست مجرّد رحلةٍ عادية، وأنّ هذه السطور في سجلّي البحري ستشهد حدثًا تاريخيًا لهذه الرياضة، وأيضًا لتاريخ السفينة إس إس كونتي فيردي) .
الوصول التاريخي إلى مونتفيديو ..
عندما رست السفينة في ميناء مونتفيديو في 3 يوليو 1930، كان استقبالهم أشبه باستقبال الفاتحين، خرجت جماهير الأوروجواي بالآلاف لتحية هؤلاء “المجانين” الذين قطعوا المحيط من أجل كرة قدم.
وكانت المفاجأة أن المنتخب الروماني، رغم تعب الرحلة، دخل التاريخ بتسجيل أسرع هدف في تلك النسخة (بعد حوالي 50 ثانية فقط) في مرمى بيرو، وكأنهم أرادوا إثبات أن رهان الملك “كارول الثاني” كان في محله.
نقطة تأمل ..
هذه الأحداث تؤكد أن النسخة الأولى لم تكن صراعاً فنياً بقدر ما كانت “صراع وجود“. فلو فشلت رومانيا أو فرنسا في الحضور، لربما اندثرت فكرة كأس العالم في مهدها.
عباءة الملك وظل الكرة ..
هكذا سطر التاريخ أن الكرة لم تكن يوماً مجرد طريدةٍ يتقاذفها اللاعبون، بل كانت في رومانيا ميثاقاً ملوكياً، وقراراً سيادياً صاغه تاجٌ آمن بأن المجد قد يولد من ركلة، وأن اسم الوطن قد يخلد في صرخة هدف. لقد نزع الملك ‘كارول الثاني’ عن لاعبيه ثوب القلق، وألبسهم رداء التحدي، ليحول رحلة المحيط من مغامرة مجهولة إلى مهمة وطنية مقدسة.
وفي الخاتمة ..
رغم أن الزمن قد طوى صفحات تلك البطولة، وغابت ملامح تلك السفينة في غياهب النسيان، إلا أن موقف الملك ظل شاهداً على لحظةٍ نادرة؛ لحظة انحنى فيها العرش إجلالاً لسحر المستديرة، وأدرك فيها أصحاب القصور أن الشعوب لا تتوحد خلف الخطب والمراسيم بقدر ما تتوحد خلف رايةٍ ترفرف في سماء المونديال. فسلامٌ على ملكٍ روّض الأمواج بالخيال، وعلى لاعبين عبروا الأطلسي بقلوبٍ تحمل هيبة وطن، وطموح ملك، وشغف لعبةٍ لا تعرف الحدود.”
أديب الرياضة ..
محمد رضوان
===========
طالع أيضًا علي كورابيديا
سلسلة كأس العالم – (1) ملهمة العالم وليلاه














