محمد حيدر باشا ..
رجل الدولة الذي صاغ تاريخ القلعة البيضاء

محمد حيدر باشا ونادي الزمالك .. حيث يلتقي المجد الرياضي بنفوذ الدولة
في سجلات الرياضة المصرية العريقة، يقف نادي الزمالك شامخاً كأحد أكبر وأعرق القلاع الرياضية، ليس فقط في مصر، بل في منطقة الشرق الأوسط بأسرها. تاريخ حافل بالإنجازات، ومسيرة مرصعة بالبطولات، سُطرت فصولها على مدار أكثر من قرن من الزمان في مختلف المنافسات المحلية والقارية. هذه المسيرة المظفرة لم تكن لتكتمل دون القيادات الحكيمة والشخصيات المؤثرة التي تعاقبت على رئاسة النادي، والتي ضمت بين صفوفها نخبة من الباشوات والوزراء ورجال الأعمال، من المصريين والأجانب، ترك كل منهم بصمة لا تُمحى في تاريخ القلعة البيضاء.
ومن بين هؤلاء العمالقة الذين صاغوا هوية نادي الزمالك وشكلوا مسيرته، يبرز اسم محمد حيدر باشا، وزير الحربية المصري الأسبق، كشخصية فريدة ومحورية. لم يكن حيدر باشا مجرد رئيس نادٍ عابر، بل كان القائد الذي أمسك بزمام الأمور داخل القلعة البيضاء لأطول فترة في تاريخها، امتدت لتسعة وعشرين عاماً حافلة بالأحداث (1923-1952).
خلال هذه العقود الثلاثة تقريباً، لم يكن حيدر باشا مجرد رئيس، بل كان حامياً شرساً لكيان الزمالك، ومدافعاً صلباً عن اسمه ومكانته، مستغلاً نفوذه ومنصبه الرفيع في الدولة لخدمة عشقه الأول: القلعة البيضاء. في عهده، ازداد النادي قوة وثقلاً، وتوسعت إنجازاته، وتعمقت جذوره في التربة الرياضية المصرية.
إن قصة محمد حيدر باشا هي قصة تداخل فريد بين السلطة السياسية والعسكرية والشغف الرياضي، حكاية رجل دولة وضع بصمته العميقة على تاريخ أحد أعظم أندية مصر، تاركاً وراءه إرثاً من الإنجازات والجدل يستحق التأمل والدراسة.
من صعيد مصر إلى قمة الهرم العسكري: نشأة وتكوين حيدر باشا
في قلب صعيد مصر، وتحديداً في قرية أبوان التابعة لمركز مطاي بمحافظة المنيا، وُلد محمد حيدر محمد السيد الحيني، الذي سيُعرف لاحقاً باسم محمد حيدر باشا. نشأ في بيئة صعيدية محافظة، وتشرب قيمها وتقاليدها، واشتهر منذ صباه بالجدية والصرامة في تعامله مع أصدقائه وأقرانه، وهي سمات ستلازمه طوال حياته العسكرية والسياسية. كانت طموحات الشاب الصعيدي تتجه نحو السلك العسكري، فالتحق بالمدرسة الحربية، حيث أظهر تفوقاً ملحوظاً ونبوغاً مبكراً. لم يكن مجرد طالب مجتهد، بل كان الأول على دفعته في سلاح الفرسان، السلاح الذي ارتبط تاريخياً بالنبلاء والقيادات العسكرية المرموقة.

خلال فترة دراسته في المدرسة الحربية، لم يكتسب حيدر العلم العسكري فقط، بل اكتسب أيضاً احترام ومحبة زملائه ورؤسائه. كان انضباطه الشديد، وحسن أخلاقه، وجديته في التعامل، جواز مروره إلى قلوب من حوله. كانت هذه السنوات التكوينية في الكلية الحربية هي التي صقلت شخصيته، وغرست فيه قيم القيادة والالتزام، وهيأت له الطريق نحو مستقبل حافل بالمناصب القيادية الهامة في الجيش المصري والحكومة.
مسيرة حافلة بالمناصب: من قيادة الشرطة إلى وزارة الحربية
لم تتأخر الفرص في طرق باب الضابط الشاب الطموح. ففي عام 1917، وبعد سنوات قليلة من تخرجه، تم تعيين محمد حيدر في منصب مرموق وهو “قومندان” (قائد) بوليس السواري (الشرطة الخيالة) في العاصمة القاهرة. كان هذا المنصب يتطلب مهارات قيادية عالية وقدرة على التعامل مع تحديات الأمن في مدينة بحجم القاهرة آنذاك. أثبت حيدر كفاءته في هذا المنصب، مما فتح له أبواباً أوسع في الخدمة العامة.
في عام 1934، شهدت مسيرته المهنية نقلة نوعية أخرى بتعيينه رئيساً لمصلحة السجون. في تلك الفترة، كان من المألوف والمسموح به لضباط الجيش تولي هذا المنصب الحساس، الذي يتطلب حزماً وقدرة على الإدارة والانضباط. أمضى حيدر سنوات في هذا المنصب، اكتسب خلالها خبرة إدارية واسعة، وربما كانت هذه الفترة هي التي رسخت صورته كرجل دولة قوي وحازم.

جاءت الخطوة الأكبر في مسيرته السياسية عام 1947، عندما تم اختياره ليشغل منصب وزير الحربية والبحرية في حكومة محمود فهمي النقراشي باشا. كان دخوله الوزارة تتويجاً لمسيرته العسكرية والإدارية الطويلة، واعترافاً بمكانته وقدراته. استمر حيدر باشا في هذا المنصب الهام خلال فترة حرجة من تاريخ مصر، بما في ذلك حرب فلسطين عام 1948.
وشغل محمد حيدر باشا منصب وزير الحربية مرة أخرى في الوزارة الائتلافية التي ترأسها حسين سري باشا عام 1949، وظل في منصبه حتى عندما عاد حسين سري باشا مرة أخرى ليشكل وزارة حيادية في 3 نوفمبر 1949. وفي عام 1950، صدر الأمر الملكي رقم 13 لسنة 1950، بتعيينه قائداً عاماً للقوات المسلحة المصرية. كان هذا المنصب يُستحدث لأول مرة في تاريخ الجيش المصري، وكان حيدر باشا هو أول من يتولاه، مما يعكس حجم الثقة التي كان يحظى بها لدى القيادة السياسية والملكية في ذلك الوقت.
بعد توليه مهام منصبه الجديد كقائد عام للقوات المسلحة، لاحظ حيدر باشا تدني الحالة المعنوية لبعض الضباط، ربما نتيجة لتداعيات حرب 1948. لم يتردد في مخاطبة الملك فاروق مباشرة، مطالباً بمنح ترقيات استثنائية للضباط لرفع روحهم المعنوية. وافق الملك على طلبه، وكان لهذا القرار أثر إيجابي بالغ في نفوس الضباط، وعزز من مكانة حيدر باشا كقائد يهتم برجاله ويسعى لتحسين أوضاعهم.
الصدفة التي قادت إلى عشق أبدي: حيدر باشا ورئاسة نادي الزمالك
قد تبدو العلاقة بين رجل عسكري وسياسي رفيع المستوى مثل حيدر باشا وبين نادي رياضي أمراً غريباً للوهلة الأولى، لكن الصدفة لعبت دوراً محورياً في نسج خيوط هذه العلاقة التي ستستمر لعقود وتترك أثراً لا يُمحى.
بعد سنوات قليلة من تعيينه قومنداناً لبوليس السواري في القاهرة، وتحديداً في أوائل العشرينيات من القرن الماضي، أُصيب محمد بك حيدر (قبل حصوله على لقب الباشا) بمرض التيفود، وهو مرض كان منتشراً وخطراً في ذلك الوقت. استدعت حالته الصحية دخوله المستشفى السويسري لتلقي العلاج، وهو المستشفى الذي كان يقع في شارع عبد الخالق ثروت، مكان مستشفى النقل العام حالياً.
خلال فترة نقاهته الطويلة في المستشفى، كان حيدر بك يقضي فترات العصر في شرفة غرفته، والتي كانت تطل مباشرة على الموقع القديم لنادي “المختلط” (الاسم الأول لنادي الزمالك) في شارع فؤاد، في المساحة التي تشغلها حالياً مباني دار القضاء العالي ونقابة المحامين ونقابة الصحفيين ونادي القضاة.
ومن شرفته، كان يستمتع بمشاهدة تدريبات نجوم فريق المختلط، وهم يداعبون الكرة بمهارة وفن. تابع العديد من مباريات الفريق، وشاهد بأم عينيه كيف كان هذا الفريق المصري الوليد يحقق الانتصارات الباهرة على أعتى الفرق الإنجليزية التي كانت منتشرة في مصر آنذاك، مما أشعل في نفسه شرارة الفخر الوطني والحماس الرياضي.

كان نادي الزمالك “المختلط” في ذلك الوقت يضم كوكبة من أساطير كرة القدم المصرية الأوائل، أمثال العبقري حسين حجازي، وسيد أباظة، وجميل عثمان، وعلي رياض، ومحمود مرعي، وغيرهم من النجوم الذين صنعوا البدايات المجيدة للنادي. لقد شهد حيدر بك، ولو عن بعد، لحظات تاريخية، مثل فوز الفريق بلقب كأس السلطان حسين عام 1921، بعد تغلبه في المباراة النهائية على فريق “الشرودرز” الإنجليزي بنتيجة 2-1، ليصبح المختلط أول فريق مصري يفوز بهذه الكأس المرموقة.
كما تابع الباشا، ربما بشغف أكبر، المباراة التي كانت أشبه بموقعة حربية ضد فريق “الألسترز” الإنجليزي، والتي حضرها أكثر من 20 ألف مشجع (وهو رقم ضخم جداً بمقاييس ذلك العصر)، وانتهت بفوز كاسح للمختلط بأربعة أهداف نظيفة، في انتصار عزز من مكانة النادي كرمز للمقاومة الوطنية والتفوق المصري.
طالع أيضا / الكأس السلطانية مهد ميلاد البطولات المصرية
في تلك الأثناء، كان أعضاء نادي الزمالك “المختلط” ومسؤولوه يبحثون عن شخصية قوية ونافذة، تكون قريبة من دوائر صنع القرار، وبالأخص من الديوان الملكي، لتساعد النادي في تذليل الصعوبات والعقبات الإدارية والمالية التي قد تواجهه، ولتمنحه وزناً وثقلاً إضافياً في المشهد الرياضي والاجتماعي المصري. وقع اختيارهم على محمد بك حيدر، الذي لم يكن فقط شخصية عسكرية مرموقة وقريبة من الملك فؤاد الأول، بل أصبح أيضاً معروفاً بانتمائه العاطفي للنادي الذي تابعه بشغف من نافذة المستشفى.

تولى السيد يوسف محمد، سكرتير النادي آنذاك، مهمة مفاتحة حيدر بك في أمر تولي رئاسة النادي. وجد حيدر بك في هذا العرض فرصة لترجمة عشقه الجديد للنادي إلى عمل ملموس. وبالفعل، تم انتخاب محمد بك حيدر رئيساً لنادي المختلط (الزمالك) عام 1923، ليبدأ بذلك أطول فترة رئاسة في تاريخ النادي، فترة ستشهد تحولات كبرى وإنجازات تاريخية.
مقر جديد وطموحات متجددة: تأسيس الكيان في الجيزة
منذ تأسيسه عام 1911 على يد البلجيكي جورج مرزباخ، تنقل نادي الزمالك (المختلط) بين عدة مقرات. بدأ في قطعة أرض متواضعة على ضفاف النيل، مكان كازينو النهر الحالي، لمدة عامين فقط (1911-1913). بعدها، انتقل النادي إلى مقره الأكثر شهرة في شارع فؤاد (شارع 26 يوليو حالياً)، حيث شغل المساحة الشاسعة التي تضم اليوم دار القضاء العالي والمباني المجاورة له. هذا الموقع الاستراتيجي في قلب القاهرة النابض بالحياة ساهم بشكل كبير في زيادة شعبية النادي وجماهيريته، حيث كان المارة يستطيعون مشاهدة مباريات الفريق وتدريباته بسهولة، مما جذب إليه الكثير من الأعضاء والمشجعين.
مع تزايد عدد أعضاء النادي وشعبيته، ومع التطور العمراني الذي شهدته منطقة وسط القاهرة، أصبح المقر القديم غير ملائم لطموحات النادي المتزايدة. وفي عام 1924، بعد عام واحد من تولي حيدر بك الرئاسة، وتحت إشراف وزارة الأوقاف التي كان يرأسها آنذاك جعفر ولي باشا (والذي كان أيضاً شخصية مؤثرة في النادي الأهلي)، تقرر نقل النادي إلى موقع جديد وأكثر رحابة على شاطئ النيل في منطقة الجيزة، في الأرض التي يشغلها حالياً مسرح البالون والسيرك القومي. كانت هذه الأرض ملكاً للأوقاف، وتم تخصيصها للنادي لتكون مقراً دائماً له.
في هذا الموقع الجديد، وبقيادة رئيسه الطموح محمد حيدر، بدأ النادي فصلاً جديداً في تاريخه. أشرف محمد حيدر باشا (بعد حصوله على الباشوية) بنفسه على أعمال الإنشاء والتطوير في المقر الجديد، وسعى جاهداً لبناء وتأسيس فريق قوي قادر على مواصلة حصد البطولات. واصل النادي مشاركاته الفاعلة في البطولات الرسمية المتاحة آنذاك، مثل كأس السلطان حسين ودوري منطقة القاهرة (الذي كان يعتبر البطولة الأهم قبل انطلاق الدوري العام)، وكأس الأمير فاروق (الذي تحول لاحقاً إلى كأس مصر).

لم تقتصر جهود حيدر باشا على كرة القدم فقط، بل كان لديه رؤية شاملة لتطوير النادي كصرح رياضي متكامل. ففي عام 1937، وبقرار مباشر منه، تم إدخال لعبة كرة السلة إلى النادي لأول مرة، لتنضم إلى جانب كرة القدم وألعاب القوى وغيرها من الأنشطة، مما ساهم في توسيع قاعدة النادي الرياضية وجذب شرائح جديدة من الأعضاء والرياضيين.
ازدواجية القيادة: رئاسة الزمالك واتحاد الكرة
لم تقتصر طموحات حيدر باشا الرياضية على رئاسة نادي الزمالك فقط، بل امتدت لتشمل قيادة الهيئة المنظمة لكرة القدم المصرية. ففي الانتخابات التي أجريت عام 1926، تم انتخابه وكيلاً لاتحاد كرة القدم المصري. وظل في هذا المنصب الهام لسنوات طويلة، اكتسب خلالها خبرة واسعة في إدارة شؤون اللعبة على المستوى الوطني، حتى عام 1937، عندما نجح في الوصول إلى قمة هرم الاتحاد، حيث تم انتخابه رئيساً لاتحاد كرة القدم، خلفاً لحسين باشا صبري.
تزامن انتخاب حيدر باشا رئيساً لاتحاد الكرة مع حدث سياسي هام، وهو تسلم الملك الشاب فاروق الأول مقاليد الحكم في مصر رسمياً. في ذلك الوقت، كان حيدر باشا يشغل أيضاً منصب مدير مصلحة السجون، وكان معروفاً بقربه من الملك فاروق وعلاقاته القوية بالديوان الملكي. هذه الثقة الملكية توجت بتعيينه “ياوراً شرفياً” لجلالة الملك فاروق الأول، وهو منصب فخري رفيع المستوى يعكس مكانته وقربه من الملك.
استغل حيدر باشا هذه العلاقة الوثيقة بالملك لخدمة ناديه المحبوب. فمثلما نجح جعفر ولي باشا قبل سنوات (عام 1929) في الحصول على الرعاية الملكية للنادي الأهلي من الملك فؤاد الأول، ليصبح الأهلي أول نادٍ مصري يوضع تحت الرعاية الملكية، سعى حيدر باشا لتحقيق نفس الإنجاز لنادي الزمالك. نجح بالفعل في إقناع الملك فاروق بمنح نادي المختلط رعايته الملكية السامية، والموافقة على إطلاق اسم جلالته على النادي.

وفي السادس والعشرين من يونيو عام 1941، حملت الصفحة الأولى لجريدة الأهرام العريقة خبراً تاريخياً أحدث دوياً كبيراً في الأوساط الرياضية والاجتماعية، حيث أعلنت الجريدة تغيير اسم نادي المختلط رسمياً إلى “نادي فاروق الأول الرياضي”. جاء نص الخبر كالتالي: “تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق فأصدر أمره الكريم بالموافقة على تسمية النادي المختلط للألعاب الرياضية (نادي فاروق الأول)، كما تعطف أعزه الله فشمل النادي بالرعاية السامية الملكية. وقد أبلغ الأمر الكريم إلى سعادة اللواء محمد حيدر باشا رئيس النادي”. كان هذا التحول نقطة فارقة في تاريخ النادي، حيث ربطه بشكل مباشر بقمة هرم السلطة في البلاد، ومنحه مكانة وهيبة إضافية.
استثمار الرعاية الملكية: انتصارات تاريخية وسداسيات لا تُنسى
بمجرد أن حمل النادي اسم الملك، بدأ رئيسه الطموح، حيدر باشا، يفكر في كيفية استثمار هذه الرعاية الملكية وهذا الاسم المرموق على أفضل وجه. كان الهدف واضحاً: تحقيق المزيد من الطموحات لنادي الزمالك في مختلف الألعاب، وترسيخ تفوقه، وخاصة الانتصار على المنافس التقليدي والأزلي، النادي الأهلي.
لم يتأخر هذا الهدف كثيراً ليتحقق، وبشكل مدوٍ. ففي عام 1942، وفي المباراة التي جمعت الفريقين في ختام الدور الأول من دوري منطقة القاهرة على درع الأمير عمر طوسون، والتي استضافها ملعب الزمالك (نادي فاروق آنذاك)، كانت هذه هي المواجهة الأولى بين القطبين بعد أن أصبح الزمالك يحمل اسم الملك. حقق نادي فاروق (الزمالك) مفاجأة من العيار الثقيل هزت الأوساط الكروية المصرية وقتها، حيث سحق غريمه التقليدي النادي الأهلي بنتيجة تاريخية بلغت ستة أهداف نظيفة (6-0). كان هذا الانتصار الكبير بمثابة رسالة قوية بأن العهد الجديد للنادي، تحت اسم الملك ورئاسة حيدر باشا، سيكون عهد تفوق وهيمنة.

واللافت أن هذه النتيجة الكاسحة لم تكن مجرد حدث عابر، بل تكررت مرة أخرى بعد عامين فقط، في مناسبة أكبر وأهم. ففي المباراة النهائية لبطولة كأس مصر (كأس الأمير فاروق) عام 1944، والتي أقيمت على ملعب الجيش بالعباسية، استطاع نادي فاروق (الزمالك) أن يكرر فوزه الساحق على الأهلي بنفس النتيجة، ستة أهداف نظيفة (6-0). هاتان السداسيتان التاريخيتان في غضون عامين أصبحتا علامتين فارقتين في تاريخ لقاءات القمة، ورمزاً لفترة التفوق الزملكاوي التي تزامنت مع رئاسة محمد حيدر باشا وحمل النادي لاسم الملك.
نفوذ الباشا ومصلحة السجون: جدل في موسم الانتقالات
لم يكن حب حيدر باشا لنادي الزمالك مجرد شعور عاطفي، بل كان “غراماً وعشقاً حقيقياً”، كما وصفه البعض. هذا العشق دفعه في بعض الأحيان إلى استخدام نفوذه وموارده المتاحة لخدمة النادي، حتى لو أثار ذلك بعض الجدل. وتعتبر قصة استغلاله لمرافق مصلحة السجون التي كان يرأسها خلال مواسم انتقالات اللاعبين مثالاً صارخاً على ذلك.

في تلك الفترة، كانت المنافسة على ضم النجوم بين قطبي الكرة المصرية، الأهلي والزمالك، شرسة ومحمومة، ولم تكن هناك لوائح انتقال واضحة ومنظمة كما هو الحال اليوم. في حوار نادر أجراه الصحفي الكبير نجيب المستكاوي مع المطرب الشعبي الشهير محمد عبد المطلب (المعروف بانتمائه الزملكاوي الشديد)، ونشرته صحيفة الأهرام في ديسمبر 1962، كشف عبد المطلب عن دور غريب كان يقوم به بتكليف من حيدر باشا.
قال عبد المطلب إن حيدر باشا، بصفته رئيس نادي الزمالك ومدير مصلحة السجون في نفس الوقت، كان يأمره بالذهاب إلى “أحد السجون” (أو ربما استراحات تابعة للمصلحة) التي كان حيدر باشا “يتحفظ” فيها على لاعبي كرة القدم المستهدفين من قبل النادي خلال موسم الانتقالات. الهدف من هذا “التحفظ” كان إخفاء اللاعبين ومنع النادي الأهلي من التفاوض معهم أو “خطفهم”، وضمان توقيعهم لنادي الزمالك. وكانت مهمة المطرب عبد المطلب هي الغناء والترفيه عن هؤلاء اللاعبين “المحتجزين” لتمضية الوقت والتخفيف عنهم حتى انتهاء فترة الانتقالات وتأمين توقيعهم للزمالك!
هذه الرواية، إن صحت تفاصيلها، تكشف عن جانب آخر من شخصية حيدر باشا، وتوضح إلى أي مدى كان مستعداً للذهاب من أجل خدمة ناديه المحبب.
رئيس الاتحاد الحازم: مواجهة أزمة سفر الأهلي إلى فلسطين
لم يكن حيدر باشا متساهلاً في إدارته لشؤون اتحاد كرة القدم. بل عُرف عنه الحزم الشديد والصرامة في تطبيق اللوائح، وعدم التردد في اتخاذ القرارات الصعبة، حتى لو كانت ضد أندية كبيرة أو شخصيات نافذة. كان “لا يخشى أو يهاب أحداً”، وواجه العديد من الأزمات والمشاكل بكل شجاعة وجسارة. ومن أبرز هذه الأزمات التي واجهها كرئيس للاتحاد، كانت أزمة سفر فريق النادي الأهلي إلى فلسطين عام 1943.
بدأت القصة عندما تلقى مجلس إدارة النادي الأهلي دعوة من جهات فلسطينية لسفر فريق الكرة إلى فلسطين للعب بعض المباريات الودية، في وقت كانت فيه فلسطين تحت الانتداب البريطاني وتشهد صراعاً متصاعداً مع الحركة الصهيونية. قبلت إدارة الأهلي الدعوة، إيماناً منها بأهمية التواصل الرياضي والشعبي مع الأشقاء الفلسطينيين في محنتهم. وبناءً على ذلك، أرسل النادي الأهلي خطاباً رسمياً إلى اتحاد كرة القدم، الذي يرأسه حيدر باشا، لاستئذانه في السفر.
جاء رد اتحاد الكرة بالرفض القاطع. هنا تدخلت شخصية سياسية بارزة ونافذة، وهو فؤاد سراج الدين باشا، الذي كان عضواً في النادي الأهلي، ويشغل في ذلك الوقت منصبي وزير الداخلية ووزير الشؤون الاجتماعية. كان سراج الدين باشا مقتنعاً بشدة بقيمة وضرورة سفر فريق مصري كبير مثل الأهلي للعب في فلسطين، كرسالة دعم وتضامن عربي.
وللتحايل على قرار اتحاد الكرة، اقترح سراج الدين باشا حلاً مبتكراً: أن يسافر لاعبو الأهلي تحت اسم “منتخب القاهرة”، بعد ضم لاعبين اثنين من نادي الزمالك (هما محمد جعيصة وأنور البشبيشي) ولاعب من نادي السكة الحديد (هو “تاج الدين”) إلى قوام الفريق. وبهذه الطريقة، لن يكون السفر باسم النادي الأهلي رسمياً. كما قرر سراج الدين باشا أن يتم السفر عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية التي يرأسها، وليس عن طريق اتحاد الكرة، بل وتكفل بتحمل كافة تكاليف السفر من ماله الخاص، إيماناً منه بأهمية هذه الرحلة.

هذا الحل أغضب حيدر باشا بشدة، واعتبره تحدياً لسلطة اتحاد الكرة. تفاقمت الأمور بسرعة، حيث أصدر اتحاد الكرة قراراً صارماً بعدم السماح بسفر أي لاعب أو نادٍ مقيد في سجلاته للمشاركة في مباريات خارج القطر المصري تحت أي مسمى، وأن كل من يخالف هذا القرار سيتعرض لعقوبة الشطب النهائي من سجلات الاتحاد. اللافت أن حيدر باشا، وبصفته رئيساً لنادي الزمالك أيضاً، سارع باتخاذ قرار داخلي بشطب لاعبي الزمالك، محمد جعيصة وأنور البشبيشي، من سجلات النادي، حتى قبل صدور قرار الاتحاد الرسمي، في تأكيد على موقفه الحازم.
تداعيات الأزمة وحلها: الإصرار ثم التراجع
رغم تهديدات اتحاد الكرة، سافر الفريق المصري (تحت اسم منتخب القاهرة) بالفعل إلى فلسطين، وتحديداً إلى مدينة القدس. لعب الفريق العديد من المباريات التي لاقت اهتماماً كبيراً في الأوساط الكروية والشعبية الفلسطينية، وتحولت هذه المباريات إلى ما يشبه المظاهرات الوطنية التي تؤكد على التضامن المصري العربي الفلسطيني في مواجهة الانتداب البريطاني والمخططات الصهيونية. لقد كان الهدف السياسي والوطني لهذه الرحلة، كما رأى منظموها في النادي الأهلي، هو الأهم.
لكن كل هذا لم يثنِ حيدر باشا عن موقفه المتشدد. ظل مصمماً على تطبيق قرار الاتحاد. اجتمع مجلس إدارة اتحاد الكرة برئاسته، وأصدر قراراً رسمياً بشطب جميع اللاعبين الذين سافروا إلى فلسطين شطباً نهائياً من سجلات الاتحاد، وهي عقوبة قاسية جداً كانت تعني إنهاء مستقبلهم الكروي.

استمرت الأزمة لفترة، وأحدثت ضجة كبيرة في الأوساط الرياضية والسياسية. وفي النهاية، تم التوصل إلى حل وسط. فبعد مفاوضات وتدخلات، وبعد أن قدم النادي الأهلي اعتذاراً رسمياً مكتوباً لاتحاد الكرة (كما أشار الدكتور ياسر أيوب في كتابه “مصر وكرة القدم”) عن مخالفة قرارته، تم إلغاء قرار الشطب، والعفو عن جميع اللاعبين، ورفع الإيقاف عنهم، لتعود الأمور إلى طبيعتها، ولكن بعد أن تركت هذه الأزمة بصماتها على العلاقة بين قطبي الكرة المصرية واتحاد اللعبة. لقد أظهرت هذه الأزمة مدى الحزم الذي كان يتمتع به حيدر باشا كرئيس للاتحاد، واستعداده للمواجهة حتى مع أكبر الأندية وأقوى الشخصيات السياسية.
رفض الانتقال إلى الهرم: الحفاظ على هوية نادي الزمالك وموقعه
في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً عام 1945، وبعد هزيمة إيطاليا في الحرب، قررت الحكومة المصرية مصادرة ممتلكات الجالية الإيطالية في مصر وضمها إلى أملاك الدولة (الأملاك الأميرية). وكان من بين هذه الممتلكات نادٍ رياضي كبير كانت الجالية الإيطالية قد أنشأته في منطقة مميزة بجوار أهرامات الجيزة (في الموقع الذي تشغله حالياً كلية التربية الرياضية للبنين بالهرم)، وأطلقت عليه اسم “نادي الليتوريا”.
في ذلك الوقت، تلقى نادي الزمالك (نادي فاروق آنذاك) عرضاً مغرياً من الحكومة بالانتقال إلى مقر نادي الليتوريا المصادر، بما يملكه من منشآت واسعة وموقع فريد، مقابل ترك موقعه الحالي على كورنيش النيل في الجيزة (مكان مسرح البالون). كان العرض يبدو جذاباً من الناحية المادية والمساحة، لكن محمد حيدر باشا، رئيس النادي، كان له رأي آخر.
رفض حيدر باشا هذا العرض بشدة وعنف، وتمسك ببقاء النادي في موقعه المطل على النيل. كانت حجته أن الموقع المقترح في الهرم، رغم مساحته، كان في ذلك الوقت يعتبر منطقة نائية وبعيدة عن قلب القاهرة وعن العمران والزحام والحياة والناس. رأى أن بقاء النادي في موقعه الحيوي في الجيزة، القريب من وسط المدينة وسهل الوصول إليه، هو الأفضل للحفاظ على هوية النادي وقاعدة جماهيره وأعضائه. لقد أصر على الاحتفاظ بموقع النادي ومكانه وكيانه، ولم يغره العرض المادي أو المساحة الشاسعة، مفضلاً البقاء حيث نشأ النادي وتجذر في موقعه على النيل. كان قراراً استراتيجياً مهماً حافظ على ارتباط النادي بموقعه التاريخي لسنوات طويلة تالية.
نادي الزمالك وإرث من البطولات: سنوات المجد تحت قيادة الباشا
امتدت فترة رئاسة محمد حيدر باشا لنادي الزمالك من عام 1923 حتى عام 1952، عندما تنحى عن الرئاسة بعد قيام ثورة يوليو وتغيير الأوضاع السياسية في البلاد. خلال هذه العقود الثلاثة تقريباً، قاد الباشا النادي إلى تحقيق العديد من البطولات والإنجازات التي شكلت أساساً لمجده اللاحق.
ففي عهده، فاز نادي الزمالك بلقب بطولة دوري منطقة القاهرة إحدى عشرة مرة (11 مرة). كانت هذه البطولة هي الأهم والأقوى في مصر قبل انطلاق الدوري العام الممتاز بشكله الحديث، وكان الفوز بها يعتبر إنجازاً كبيراً. كما فاز النادي بلقب بطولة كأس مصر (التي حملت اسم كأس الأمير فاروق ثم كأس الملك فاروق خلال فترة حكمه) سبع مرات (7 مرات) تحت قيادة حيدر باشا.

هذه البطولات المتعددة، بالإضافة إلى الانتصارات التاريخية على المنافس التقليدي، وتأسيس النادي في مقره بالجيزة، وإدخال ألعاب جديدة، كلها إنجازات تُحسب لحيدر باشا وتؤكد على الدور المحوري الذي لعبه في بناء وتطوير نادي الزمالك خلال فترة رئاسته الطويلة.
توفي محمد حيدر باشا في 18 مارس 1965، بعد صراع مع المرض، تاركاً وراءه تاريخاً حافلاً في خدمة الدولة المصرية ونادي الزمالك.
وفي الختام … بصمة رجل الدولة على جبين القلعة البيضاء
إن سيرة محمد حيدر باشا تمثل فصلاً استثنائياً في تاريخ نادي الزمالك والرياضة المصرية بشكل عام. كرجل دولة جمع بين المناصب العسكرية والسياسية الرفيعة، وبين عشق جارف لنادٍ رياضي، استطاع حيدر باشا أن يترك بصمة لا تُمحى على مسيرة القلعة البيضاء. خلال فترة رئاسته التي امتدت لما يقرب من ثلاثة عقود، لم يكن مجرد رئيس، بل كان بانياً ومدافعاً وحامياً لكيان النادي، مستخدماً نفوذه وعلاقاته لخدمة طموحات الزمالك وتطلعات جماهيره.

شهد عهده تحولات كبرى، من تغيير اسم النادي ومقره، إلى تحقيق انتصارات تاريخية وبطولات متعددة، وصولاً إلى مواقف حازمة وجدلية عكست قوة شخصيته وتداخلاً فريداً بين السلطة والشغف الرياضي. لا يمكن إنكار الإنجازات الكبيرة التي تحققت للنادي تحت قيادته، والتي أسست لمكانته كأحد قطبي الكرة المصرية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الجدل الذي أثارته بعض ممارساته التي عكست طبيعة العصر الذي عاش فيه، حيث كانت الخطوط الفاصلة بين الدولة والنادي غير واضحة المعالم في بعض الأحيان.
يبقى محمد حيدر باشا رمزاً لعصر مضى، عصر الباشوات والنفوذ، وعصر التأسيس والبناء في تاريخ الأندية المصرية الكبرى. لقد كان رئيساً قوياً، ومحباً مخلصاً لناديه، وشخصية محورية صاغت جزءاً هاماً من تاريخ الزمالك العريق. إن إرثه، بكل ما يحمله من إنجازات وتعقيدات، سيظل جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للقلعة البيضاء، وشاهداً على حقبة كان فيها للباشوات والوزراء دور مركزي في رسم ملامح المشهد الرياضي المصري.
يظل نادي الزمالك هو أحد أكبر القلاع الرياضية في مصر والشرق الأوسط، والذي سطر تاريخا كبيرا في كل المنافسات المحلية والقارية..
طالع أيضا علي كورابيديا ..
- الجيش .. المختلط القديم .. ميت عقبة … اسماء كادت تُطلق على نادى الزمالك
- بسطان والجندى … صداقة حتى الموت
- نصر الدين موسى .. ناشئ الزمالك الذى لعب فى كوزموس الأمريكي !
- خليل سعيد .. فهد الزمالك الأسمر
- جعفر ولي .. باشا القلعة الحمراء
- علي خليل .. فارس الأخلاق الزملكاوية
سلاسل كورابيديا ..
💥 حكايات كورابيديا .. حكايات كروية خاصة ومتميزة
💥 تريندينج كورابيديا .. متابعة حية ودقيقة لجميع الأحداث الرياضية
💥 سجل الثنائيات في الدوري المصري
💥 سجل الهاتريك في الدوري المصري
المصادر للاطلاع ..
- محمد حيدر باشا .. موقع الاتحاد المصري لكرة القدم
- wikiwand .. نادي الزمالك
- الجزيرة الوثائقية .. كرة القدم المصرية.. لعبة الإنجليز التي تحررت من عباءة الاحتلال
- شكر خاص الأستاذ جمال عبدالحميد














[…] محمد حيدر باشا .. عاشق القلعة البيضاء […]
[…] محمد حيدر باشا .. عاشق القلعة البيضاء […]