سلسلة حكايات كأس العالم – (3) جناية رجل شرطة – مونديال 1930

0
61
زمن القراءة: 4 دقيقة

سلسلة حكايات كأس العالم
(3) جناية رجل شرطة .. مونديال 1930 

حكايات كأس العالم .. جريرة رجل شرطة .. مونديال 1930
حكايات كأس العالم .. جريرة رجل شرطة .. مونديال 1930

بين صخب المحيط وهتاف التاريخ، وفي قلب “الثينتيناريو” الذي شُيّد ليكون معبداً للكرة وتاجاً لعيد الاستقلال، جرت وقائع ملحمةٍ لم تكن مجرد مباراة في كرة القدم، بل كانت صداماً بين طموح القارة العجوز وعنفوان الأرض الجديدة.

هناك، حيث تعانقت رطوبة “مونتفيديو” مع أحلام أبناء البلقان، وقف المنتخب اليوغوسلافي وحيداً يذود عن كبرياء أوروبا، يواجه إعصاراً أزرق لا يرحم، وجماهير زحفت كالسيل، تملأ الأفق ضجيجاً يزلزل الأرض تحت أقدام الغرباء.

هي قصةٌ عن العدالة التي غابت تحت أقدام “رجل شرطة” غامض، وعن كبرياءٍ جريحٍ آثر الانسحاب من منصات التتويج الهامشية ليبقى طاهراً في ذاكرة المظلومين، إنها قصة مباراة أوروغواي ويوغوسلافيا في نصف نهائي كأس العالم 1930 .

كيف قاطع الكروات يوغوسلافيا ؟

منذ أن تأسس الاتحاد اليوغوسلافي في عام 1919، وهو يتخذ من مدينة زغرب الكرواتية مقرًا له، لكن قبل أربعة أشهر فقط من انطلاق كأس العالم، ووفقًا لديكتاتورية الملك ألكسندر، تم نقل المقر إلى مدينة بلغراد، وهو ما أثار غضب السلطات الكرواتية، ورفض اللاعبون الكروات تمثيل يوغوسلافيا في كأس العالم.

لذلك فقد كانت الأمور داخل معسكر يوغوسلافيا على غير ما يرام ، حيث كانت هناك انقسامات صامتة، الفريق كان يتكون بالكامل من لاعبين صرب بسبب مقاطعة الكروات للمنتخب، هذه “الخلفية السياسية” جعلت اللاعبين يشعرون بأنهم يحملون عبء إثبات ذاتهم أمام ملكهم وشعبهم وحدهم، مما خلق أجواءً من التوتر الداخلي قبل المباراة، حيث كان أي خطأ يُحسب على “الوطنية”.

أجواء مشحونة ..

قبل مباراة أوروغواي ويوغوسلافيا، كان منتخب يوغوسلافيا المنتخب الوحيد الذي مثل أوروبا في المربع الذهبي، لكنه عاش في أجواء مشحونة؛ إذ تعرض اللاعبون لمضايقات من الجماهير المحلية التي كانت تتجمهر حول الفندق ليلاً لإحداث ضجيج يمنعهم من النوم، لإرهاقهم قبل المواجهة الكبرى أمام صاحب الأرض.

على الجانب الآخر، عاش لاعبو أوروغواي تحت ضغط هائل من المسؤولين والإعلام المحلي، كانت هناك حالة من الاستنفار لضمان عدم حدوث أي “تراخٍ”، لدرجة أن معسكر المنتخب كان أشبه بالثكنة العسكرية المغلقة، مع فرض رقابة صارمة على مواعيد النوم والأكل.

نفخ في كير القومية ..

لعبت الصحافة المحلية دوراً محورياً في تأجيج المشاعر قبل انطلاق صافرة بداية مباراة أوروغواي ويوغوسلافيا، وشنت حملة تعبئة وطنية شاملة، ووصفت المباراة بأنها (مسألة كرامة وطنية) للقارة الأمريكية الجنوبية ضد الغزو الكروي الأوروبي، حيث كانت العناوين تحفز الجماهير للزحف نحو ملعب “ثينتيناريو” لترهيب الضيوف.

كان العنوان الرئيس لصحيفة El Diario (السيادة الكروية) ، بينما أكدت صحيفة La Mañana صبيحة يوم المباراة على ضرورة الحشد الجماهيري في ملعب ثينتيناريو الذي شُيد خصيصا من أجل كأس العالم

داود ضد جالوت ..

على الجانب الأخر، كانت الصحف في بلغراد تعيش حالة من الذهول والزهو بفرقة “فيا كروتشي” (لقب المنتخب حينها)، وصورت المباراة على أنها معركة داوود ضد جالوت، معتبرة أن الوصول لنصف النهائي بحد ذاته معجزة، لكنها طالبت اللاعبين بالصمود أمام (جحيم مونتفيديو) كما وصفت، لكن لم تنسى بعض المقالات أن تلمح إلى القلق من التحكيم المنحاز لأصحاب الأرض.

كانت صحف يوغوسلافيا تصف اللاعبين بالأبطال الذين عبروا المحيط لتحدي العمالقة، وركزت بشكل خاص على الثنائي ألكسندر تيرنانيتش و بلاجوي ماريانوفيتش كأمل يوغوسلافيا في هز شباك أوروغواي، وكتبت صحيفة Politika تحت عنوان “نسورنا الزرق أمام أبواب التاريخ في مونتيفيديو”

جناية رجل شرطة .. !!

مونديال أوروغواي 1930

في مباراة نصف نهائي كأس العالم 1930 ، بين أوروغواي صاحبة الأرض، ومنتخب يوغوسلافيا، تقدم الفريق الأوروبي بهدف في الدقيقة الخامسة وسط زئير 80 ألف متفرج متحمس اكتظت بهم مدرجات ملعب ثنتيناريو، ثم سجل اليوغوسلاف هدفًا ثانيًا ألغاه الحكم البرازيلي ألميدا ريغو.

يبدو أن زئير الجماهير أرهب الحكم البرازيلي، فانحاز بشدة نحو أصحاب الأرض، مما أدى إلى تعادل أوروجواي في الدقيقة 18 عن طريق “خوسيه بيدرو سيا” ، وفي الدقيقة 30 حدثت الكارثة، فقد كانت الهجمة من طرف أوروغواي  حيث انطلقت كرة قوية تخطت المدافعين والحارس اليوغوسلافي ميلوفان ياكشيتش الملقب (ميلوفان العظيم)، لكنها كانت سريعة جداً فتجاوزت بوضوح خط المرمى واستقرت بالقرب من المصورين ورجال الأمن الواقفين خلف الخط، وتوقف لاعبو يوغوسلافيا عن الركض تماماً، منتظرين صافرة الحكم للإعلان عن ركلة مرمى أو ركنية، لكن الكرة لم تتوقف..

كان هناك رجل شرطة يقف في تلك المنطقة، وبحركة تلقائية (أو ربما مقصودة) قام بركل الكرة التي خرجت ليعيدها إلى داخل الملعب مرة أخرى، حيث وجدها المهاجم الأوروغواياني “خوان أنسيلمو” فرصة للتسجيل، فسدد الكرة وسط ذهول مدافعي يوغوسلافيا وحارسهم المسكين.

بعد أن سكنت الكرة في شباك يوغوسلافيا، أشار الحكم البرازيلي إلى احتساب الهدف، وهنا جن جنون اليوغوسلاف، وهموا بمغادرة الملعب بعد قرار الحكم المخزي، لكن الدكتور ميخائيلو أندرييفيتش، أحد قادة المنتخب اليوغوسلافي، منعهم من ذلك، محذرًا إياهم من أن فيفا سيعاقبنا بشدة على هذا التصرف.

أزمات وتبعات ..

Gemini Generated Image wfsrw8wfsrw8wfsr

بعد المباراة التي انتهت بفوز أوروغواي 6 / 1 ، حيث انهار الفريق اليوغوسلافي تمامًا بعد الهدف الشرطي، تقدمت يوغوسلافيا باحتجاج رسمي شديد اللهجة للاتحاد الدولي بسبب ما اعتبرته “مهازل تحكيمية” ، خاصة تدخل رجل الشرطة الذي أعاد الكرة من خارج الملعب وتسبب تصرفه في هدف، كانت يوغوسلافيا غاضبة جداً لدرجة أنها رفضت خوض مباراة تحديد المركز الثالث والرابع أمام الولايات المتحدة. لهذا السبب، لم تُلعب “مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع” .

تعرض الحكم البرازيلي “جيلبرتو دي ألميدا ريغو” لهجوم كاسح من الصحافة الأوروبية، واتُهم بالتحيز التام لأصحاب الأرض، مما تسبب في توتر العلاقات الكروية بين القارتين لسنوات.

التغطية المتأخرة ..

بسبب فارق التوقيت وصعوبات الاتصال بالتلغراف، كانت الجماهير في بلغراد تتجمع أمام مقرات الصحف في انتظار البرقيات الواردة من أوروغواي ومعها النتائج أولاً بأول، وكانت الصحف تصدر طبعات خاصة “ملحقة” فور وصول أي خبر جديد من الأوروغواي.

استقبال الفاتحين ..

رغم الخسارة الثقيلة، استُقبل الفريق اليوغوسلافي في بلاده كأبطال لأنهم واجهوا ظروفاً غير طبيعية، وظلت تلك المباراة تُدرس في تاريخ الكرة اليوغوسلافية كرمز للظلم الرياضي.

كان ملك يوغوسلافيا، ألكسندر الأول، يتابع الأخبار عبر التلغراف بشغف، وقيل أنه وعد اللاعبين بمكافآت خيالية حال تخطي أوروغواي، هذا الوعد تسرب للصحافة وجعل اللاعبين تحت ضغط مادي ونفسي هائل، لدرجة أن بعض التقارير أشارت إلى أن التفكير في تأمين المستقبل شتت تركيز الفريق أمام ضغط الجماهير في مونتيفيديو.

وفي الخاتمة ..

هكذا، انقشع غبار معركة أوروغواي ويوغوسلافيا في ثينتيناريو، لكن دويّها ظل يتردد في أروقة الزمان كأنه نشيدٌ حزين لا يكتمل، لم تكن الصافرة الأخيرة إعلاناً بنهاية مباراة، بل كانت إيذاناً ببدء أسطورة المونديال التي تُكتب بمداد من العرق والدموع، وبقليل من إنصاف البشر وكثير من مكر القدر.

رحل نسور يوغوسلافيا الزرق وفي صدورهم غصة من (كرةٍ عائدة) سلبهم إياها شرطي غامض في لحظة ذهول، تاركين وراءهم مركزاً ثالثاً آثروا أن يظل شاغراً على أن يكون منقوص الكرامة، بينما بقيت أوروغواي تحتفل بانتصارها تحت سماء مونتيفيديو، تلمس بيدها مجداً تأرجح بين عبقرية لاعبيها وهفوات التاريخ التي وقفت في صفهم.

لقد كانت تلك الموقعة درساً في كبرياء الغرباء أمام طوفان الأرض، وفصلاً منسياً من فصول العدالة التي ضاعت بين هتافات الجماهير وصمت الحكام، وبرغم مرور العقود، ستظل قصص تلك الفنادق الصاخبة، ومانشيتات الصحف الملتهبة، وشبح ذلك الشرطي الواقف خلف الخط، شهادة حية على أن كرة القدم لم تكن يوماً مجرد لعبة، بل هي مرآةٌ لحياةٍ يختلط فيها الحق بالباطل، وتُبنى فيها الأمجاد أحياناً على أنقاض أحلامٍ لم يكتب لها النور.

أديب الرياضة ..
محمد رضوان
===========

طالع أيضًا علي كورابيديا 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here