علي بن ناصر الحكم التونسي
صاحب الصافرة التي خلدها التاريخ
في مونديال 1986

لا يُذكر تاريخ كأس العالم لكرة القدم دون أن يتبادر إلى الأذهان مشهد ملعب “أزتيكا” في المكسيك عام 1986، حيث التقى العملاقان، الأرجنتين وإنجلترا، في مواجهة تجاوزت أبعاد الرياضة لتلامس تخوم السياسة والمشاعر الوطنية. وفي قلب هذا المعترك التاريخي، وقف رجل واحد بقميصه الأسود وصافرته الواثقة؛ إنه الحكم التونسي الدولي علي بن ناصر. لم يكن مجرد شاهد على “هدف القرن” أو “يد الله” كما اطلق عليها مارادونا، بل كان شريكاً في صياغة سردية كروية لا تزال حية بعد مرور عقود.
البدايات والارتقاء نحو المجد القاري
ولد علي بن ناصر في تونس عام 1944، وبدأ مسيرته في عالم التحكيم مدفوعاً بشغف كبير ودقة متناهية في تطبيق القوانين. في فترة السبعينيات والثمانينيات، برز اسمه كواحد من أفضل الحكام في القارة الأفريقية، مما أهله لنيل الشارة الدولية عام 1976. تميز بن ناصر بشخصيته القوية وهدوئه في إدارة المباريات الكبرى، وهو ما جعله الخيار الأول للاتحاد الأفريقي لكرة القدم (CAF) في المواعيد الكبرى.
قبل وصوله إلى مونديال المكسيك، كان بن ناصر قد ترك بصمة واضحة في الملاعب الأفريقية؛ حيث أدار نهائي كأس الأمم الأفريقية مرتين (1984 و1986)، وهو إنجاز نادر يعكس حجم الثقة القارية في قدراته. لم يكن بن ناصر مجرد حكم محلي، بل كان سفيراً للتحكيم العربي والأفريقي، ممهداً الطريق للأجيال التي تلت لتثبت جدارتها في المحافل العالمية.
موقعة “أزتيكا” 1986: لحظة الصدام التاريخي

في 22 يونيو 1986، كُلف علي بن ناصر بإدارة مباراة ربع النهائي بين الأرجنتين وإنجلترا. كانت المباراة مشحونة بتوترات سياسية ناتجة عن حرب “الفوكلاند“، مما جعل الضغط النفسي على طاقم التحكيم مضاعفاً. في تلك المباراة، شهد العالم حدثين متناقضين تماماً في غضون أربع دقائق فقط، كان بن ناصر بطل الرواية في كليهما.
الحدث الأول كان الهدف الذي سجله دييغو مارادونا بيده في الدقيقة 51. في زمن لم يعرف تقنية الفيديو (VAR)، كان على بن ناصر اتخاذ قرار في أجزاء من الثانية. يروي بن ناصر دائماً أنه امتثل لتعليمات “الفيفا” في ذلك الوقت، والتي تنص على استشارة حكم الراية إذا لم تكن الرؤية واضحة تماماً. نظر بن ناصر إلى مساعده البلغاري “بوغدان دوتشيف“، الذي ركض نحو خط المنتصف مؤكداً صحة الهدف، فما كان من التونسي إلا أن أطلق صافرته معلناً تقدم الأرجنتين، وسط احتجاجات إنجليزية لم تهدأ حتى اليوم.
أما الحدث الثاني، فكان “هدف القرن”، حيث راوغ مارادونا نصف المنتخب الإنجليزي في ملحمة فردية. وهنا يبرز ذكاء بن ناصر التحكيمي؛ فقد كان قريباً جداً من اللعبة، وتعمد عدم إطلاق الصافرة رغم تعرض مارادونا لمحاولات عرقلة، مطبقاً مبدأ “إتاحة الفرصة” ببراعة، مما سمح لمارادونا بإكمال طريقه وتسجيل أعظم هدف في تاريخ المونديال.
الدفاع عن النزاهة والتقييم العالي
رغم الجدل الواسع حول هدف اليد، إلا أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) منح علي بن ناصر تقييماً مرتفعاً جداً (9.4 من 10) عن أدائه في تلك المباراة. هذا التقييم لم يأتِ مجاملة، بل اعترافاً بقدرته على السيطرة على مباراة بتلك الحساسية العالية. وقد صرح بن ناصر في مناسبات عديدة قائلاً:
“أنا فخور بما قدمته، لقد طبقت التعليمات بحذافيرها، ومساعدي هو من أكد صحة الهدف”.
هذه الواقعة لم تكن لتنتقص من مسيرته، بل جعلت منه أيقونة عالمية. إن شجاعته في تحمل مسؤولية القرار في تلك اللحظة الحرجة تعكس نضجاً كبيراً، وتذكيراً بأن الحكم هو بشر يصيب ويخطئ في ظل غياب التكنولوجيا المساندة.
مارادونا وبن ناصر: لقاء الوفاء

من أجمل الفصول في قصة علي بن ناصر هو اللقاء الذي جمعه بالأسطورة مارادونا في تونس عام 2015. زار مارادونا الحكم التونسي في منزله، في مشهد إنساني مهيب، وقدم له قميصاً موقعاً كتب عليه:
“إلى علي، صديقي الأبدي”.
قام مارادونا بتقبيل يد بن ناصر، معترفاً بأنه لولا “تغاضي” أو قرار ذلك الحكم، لما اكتملت أسطورته في تلك النسخة. هذا اللقاء كان بمثابة “صك غفران” رياضي وتقدير عالمي لمكانة بن ناصر في تاريخ كرة القدم.
الإرث والدروس المستفادة
بعد اعتزاله التحكيم عام 1991، لم يبتعد بن ناصر عن الساحة، بل استمر كخبير ومحاضر يلقن الأجيال القادمة دروساً في الثبات والتركيز. يظل علي بن ناصر نموذجاً للحكم الذي يمتلك “الثبات الانفعالي”؛ فهو لم ينهار تحت ضغط الإعلام الإنجليزي، ولم يتراجع عن قناعاته المهنية.
تتلخص أهمية مسيرته في نقاط جوهرية:
- تمثيل التحكيم العربي: أثبت أن الحكم العربي قادر على إدارة أصعب المواجهات العالمية بكفاءة.
- الالتزام بالبروتوكول: أظهر أهمية التنسيق بين حكم الساحة والمساعدين، حتى وإن أدى ذلك لنتائج جدلية.
- الروح الرياضية: علاقته بمارادونا بعد المباراة جسدت المعنى السامي للرياضة بعيداً عن النتيجة.
وفي الختام …
يبقى علي بن ناصر أكثر من مجرد حكم أدار مباراة شهيرة؛ إنه جزء لا يتجزأ من التراث الثقافي لكرة القدم. في تونس، يُنظر إليه كبطل وطني رفع راية البلاد في المحافل الدولية، وفي العالم، يُعرف بالرجل الذي امتلك الجرأة للوقوف في وجه العواصف الكروية.
سيظل اسمه محفوراً في ذاكرة “أزتيكا”، تذكيراً دائماً بأن كرة القدم هي لعبة المشاعر والقرارات الصعبة، وأن وراء كل أسطورة لاعب، هناك صافرة عادلة أو مثيرة للجدل، لكنها دائماً.. إنسانية.
طالع أيضا علي كورابيديا ..
سعيد بلقولة .. المغربي الذي شرف العرب في مونديال 1998
المصادر للطلاع ..
علي بن ناصر علي ويكيبيديا
تقرير موقع بي بي سي عن الحكم التونسي علي بن ناصر






