سلسلة حكايات كأس العالم
(6) رقصة الرجل الورقة – مونديال 1938
كانت فيينا في خريفِها الحزين تذوي تحتَ وطأةِ الصليبِ المعقوف، وكانَ على (الرجل الورقة) أن يختارَ بينَ التصفيقِ في مسرحِ الزيف، أو الانتحارِ فوقَ خشبةِ الحق، وفي ليلةِ مباراةِ الوداع، لم يركض ليسجل هدفاً في المرمى، بل ركضَ ليطعنَ كبرياءَ الرايخ برقصةٍ ساخرة، رقصةٌ لم تكن للاحتفال، بل كانت بصقةً فنية في وجهِ القوةِ الغاشمة، صاغها بخلخالٍ من سحر، ليعلنَ أن الأقدامَ التي تحررت بموسيقى الفالس لا يمكنُ أن تنصاع على إيقاعِ المارشِ العسكري .
ممنوع الفوز على ألمانيا ..
في مارس 1938، ضمت ألمانيا النازية النمسا إليها فيما عُرف بـ (Anschluss). قرر الفوهرر أدولف هتلر حل المنتخب النمساوي ودمج لاعبيه في المنتخب الألماني لإنشاء فريق “آري” لا يُقهر قبل مونديال 1938.
وفي 3 أبريل 1938، وبعد أسابيع قليلة من دخول القوات الألمانية لفيينا، أراد ” بول جوزيف جوبلز” (وزير دعاية هتلر) استغلال كرة القدم لإظهار أن النمساويين سعداء بالانضمام للرايخ الثالث، فقرر تنظيم مباراة بين مباراة ودية أخيرة في فيينا بين ألمانيا والنمسا (التي سُميت حينها “أوستمارك”) للاحتفال بالوحدة، وأُطلق على المباراة اسم “مباراة التآخي” (Verbrüderungsspiel).
أُبلغ اللاعبون النمساويون (الذين كانوا فنياً أقوى بمراحل من ألمانيا) بأن المباراة يجب أن تنتهي بالتعادل، ويُمنع منعاً باتاً إحراج المنتخب الألماني “الشقيق” أمام قادة الحزب النازي في المقصورة، وصدرت الأوامر للاعبين النمساويين : (ممنوع الفوز على ألمانيا.. يجب أن تنتهي المباراة بالتعادل كرمز للأخوة) .
اللعب وفق الكتالوج ..
بدأت المباراة، وظهر لاعبو النمسا وهم يهدرون الفرص بطريقة مضحكة ومكشوفة، كانوا يمررون الكرة للمدافعين الألمان أو يسددونها بعيداً عن المرمى، وكأنهم يقولون للجمهور: “نحن نلعب وفق كتالوج النازية، لا بمهارتنا”.
في الشوط الثاني، يبدو أن ماتياس سينديلار مهاجم النمسا لم يحتمل التمثيل أكثر، ففي الدقيقة 70، سجل هدفاً حقيقياً بعد مراوغة أذلت الدفاع الألماني، ثم سجل زميله المدافع كارل زيزتا ( الملقب الشفرة) هدفاً ثانياً من ركلة حرة بعيدة المدى.
تمرُد موتسارت ..

كان لقب ماتياس سينديلار “Der Papierene” (الرجل الورقة)، بسبب بنيته الهزيلة وقدرته المذهلة على المراوغة والانزلاق بين المدافعين كأنه ورقة تطير في الهواء، ورغم ذلك فقد كان القائد الملهم لمنتخب النمسا الملقب بـ “Wunderteam” (الفريق العجيب) في الثلاثينيات.
لم يكتفِ سينديلار (موتسارت كرة القدم) بالتسجيل، بل ركض نحو المنصة الشرفية حيث يجلس كبار ضباط “الغستابو” (الشرطة السرية) والقادة النازيين، وقام بـ “رقصة فالس” ساخرة، ملوحاً بيديه بابتسامة عريضة.
كانت الرقصة رسالة مفادها: “لقد سرقتم أرضنا، لكنكم لن تسرقوا سحر أقدامنا .. نحن ملوك الفن، وأنتم مجرد جنود”.
غادر القادة الألمان الملعب في حالة غليان. كانت الفضيحة مزدوجة: خسارة رياضية (2-0)، وإهانة سياسية على الهواء مباشرة.
ابتلاع الفريق العجيب ..

هذه واحدة من أكبر عمليات “السطو الرياضي” في التاريخ، فقد كان مونديال 1938 (منفىً) داخل قميص للاعبي النمسا، لقد صعدوا إلى حافلة المنتخب الألماني كأسرى حرب لا كلاعبين، وحملوا على صدورهم شعاراً يكرهونه، كان لاعبو النمسا يمثلون (الجسد) الذي سرقه النازيون، بينما ظلت (الروح) معلقة في مقاهي فيينا، لذا، لم يكن غريباً أن يسقط هذا الهجين المشوه في الدور الأول، فالأقدام التي تصفدها الأيديولوجيا لا تعرف الطريق إلى الشباك.
ضم سيب هيربرغر مدرب ألمانيا معظم لاعبي النمسا إلى صفوف المانشافت المشارك في مونديال 1938، بداية من حارس النمسا الأساسي رودولف رافتل (Rudolf Raftl) ومرورًا بكل من المدافعين فيلبالد شماوس (Willibald Schmaus) ، كارل زيزتا (Karl Sesta) ، وانتهاءًا بالجناح السريع هانز بيسير (Hans Pesser) ، وصانع الألعاب الموهوب جوزيف ستروه (Josef Stroh)
ورقة في وجه هتلر ..
بعد مباراة التآخي، بدأت الضغوط على ماتياس زينديلار للانضمام للمنتخب الألماني الموحد في مونديال 1938 بفرنسا. رفض سينديلار بكل هدوء، متذرعاً بآلام في الركبة، لكنه كان يعلم أنه وقّع على “قرار إعدامه” بتلك الرقصة.
حاول جوزيف جوبلز استخدام أسلوب “الجزرة” أولاً، حيث عرض على زينديلار أن يكون الوجه الدعائي الأول لألمانيا العظمى في مونديال 1938، كما وُعد بمميزات مالية هائلة، وقصر في فيينا، ومنصب شرفي دائم، مقابل أن يظهر في الافتتاح بقميص الصليب المعقوف ليقول للعالم: “انظروا، أعظم موهبة نمساوية تبارك الوحدة النازية”.
انتقل الترغيب إلى ترهيب، ووُضع سينديلار تحت مراقبة الشرطة السرية النازية، وكانت التقارير تُرفع يومياً عن تحركاته، وعن تردده على مقاهي المثقفين التي كان النازيون يعتبرونها بؤراً للمقاومة، كان هذا النوع من الضغط يهدف لكسر أعصابه وإشعاره بأن حياته وحرية عائلته مرهونة بكلمة “نعم” للمنتخب الألماني.
ضغط الرفاق ..
مارس المدرب الألماني سيب هيربرجر ضغطاً عاطفياً ومهنياً. زار سينديلار عدة مرات وحاول إقناعه بأن انضمامه هو “إنقاذ” لزملائه النمساويين الآخرين في الفريق، وكان الإيحاء بأن رفض سينديلار قد يُنظر إليه كفعل “خيانة عظمى” قد يدفع ثمنه بقية لاعبي النمسا الذين وافقوا على الانضمام، مما وضعه في صراع أخلاقي مرير بين مبادئه الشخصية ومصير رفاق دربه.
وكان سينديلار قد اشترى حانة صغيرة في فيينا من صديق يهودي، واستخدم النازيون هذا الأمر للضغط عليه، ملمحين إلى أن ملكيته للحانة قد تُصادر أو تُعتبر “تعاوناً مع أعداء الدولة” إذا لم يُظهر الولاء الرياضي المطلوب واضطر مجبراً على بيعها للهرب من النازية.
لم تكن الضغوط على سينديلار كلمات تقال، بل كانت ظلالاً تتبعه أينما سار، أراد النازيون تحويله من فنان يعزف للحرية، إلى ترس في ماكينة الحرب، وعرضوا عليه الذهب ليشتري صمته، ولوحوا له بالسوط ليقيدوا قدمه.
إصرار وبسالة ..
كان منتخب النمسا فريقاً يمثل الرقة والجمال في قلب العاصمة فيينا، أُجبر على ارتداء قمصان خشنة تحمل الصليب المعقوف وتؤمن بالقوة البدنية فقط ـ لذلك فقد أصر سينديلار على رفض تمثيل المنتخب الألماني في مونديال 1938 ، رغم كل العروض التي قُدمت له، تارة مدعياً الإصابة وتارات بحجة التقدم في السن، لكن الحقيقة كانت رفض الرجل الورقة لارتداء قميص “الصليب المعقوف”.
ماتياس سينديلار وُلد في العاشر من فبراير عام ١٩٠٣ في كوزلوف، وهي بلدة صغيرة في مورافيا، التي تُعرف اليوم بجمهورية التشيك، كان ابنًا لعائلة من الطبقة العاملة، فوالده كان بنّاءً ووالدته ربة منزل، وقضى طفولته في ظروف صعبة، اتسمت بالفقر والتوترات الاجتماعية التي ميزت أوروبا حينئذً، وانتقلت العائلة إلى فافوريتن، وهو حيّ شعبي في فيينا، حيث نشأ ماتياس وسط المصانع والشوارع الرمادية.
أظهر سينديلار، منذ صغره، شغفًا خاصًا بكرة القدم، أصبحت شوارع الحي ملعبه الأول، في الخامسة عشرة من عمره، انضم ماتياس إلى نادي هيرتا فيينا، وهو نادٍ متواضع أدرك موهبته. لكن القدر كان يُخبئ له مفاجآت أكبر. بعد فترة وجيزة، انتقل إلى نادي إف كيه أوسترايش فيينا ، حيث بدأ في كتابة تاريخه الكروي. كان هذا الفريق، الذي ينتمي إلى الطبقة البرجوازية اليهودية في فيينا، مركزًا ثقافيًا ورياضيًا هامًا. هناك، بدأ سينديلار في أسر قلوب الجماهير بأسلوب لعب أنيق وفعّال، مما جعله سريعًا شخصية محورية في كرة القدم النمساوية
صراع غرفة الملابس ..
داخل الغرفة، انقسم اللاعبون إلى معسكرين لا يلتقيان، المعسكر النمساوي بقيادة كارل زيزتا ورفاقه، الذين كانوا يتهامسون بلهجتهم الفينيسية الساخرة، ويميلون للعب المعتمد على الذكاء والمراوغة، والمعسكر الألماني الذي يمثل الجدية البروسية الصارمة، ويرى في الأسلوب النمساوي نوعاً من الدلع والضعف الذي لا يليق بجنود الرايخ.
وجد المدرب الألماني سيب هيربرجر نفسه في جحيم؛ فقد صدرت له أوامر عليا بوضع (6 ألمان و5 نمساويين) في التشكيلة الأساسية كرمز للوحدة، وكان هيربرجر يصرخ في التدريبات لأن اللاعبين الألمان يرفضون تمرير الكرة للنمساويين، والنمساويون يسخرون من غلظة الألمان في التعامل مع الكرة. كانت غرفة الملابس مكاناً يفوح برائحة “الارتباك” لا “الحماس”.
يروي المؤرخون أن اللاعبين النمساويين كانوا يجلسون في زوايا الغرفة وحدهم، يتحدثون عن مقاهي فيينا وعن “المايسترو” الغائب سينديلار ، ولمزيد من سكب البنزين على النار، عندما سجل النمساوي بيسير هدفاً في المونديال، لم يهرع إليه اللاعبون الألمان للاحتفال؛ لقد كانت الأهداف تُسجل للرايخ لكن الفرحة كانت مبتورة وموزعة حسب الأصول الجغرافية.
سقوط الصليب المعقوف ..

جاء مونديال 1938، ليضع قاعدة ثابتة مُفادها أن الأرواح لا تدمج بالقوة العسكرية، وأن الهجين المشوه لا يمكنه حصد الذهب، فقد عادت ألمانيا بخُفيّ حٌنين، بعد أن خرجت من الدور الأول، وهي المرة الأولى، ولم تتكرر حتى عام 2018 .
بعد التعادل مع سويسرا في المباراة الأولى، صار لزامًا إعادة المباراة بعد خمسة أيام، لكن يبدو أن الأيام الخمس هذه كانت كفيلة بتغير الأوضاع داخل الفريق الألماني، ففي مباراة الإعادة ضد سويسرا، ورغم أن الألمان تقدموا أولًا بهدفين، إلا أن الأمور تدهورت سريعًا بمجرد عودة الفريق السويسري، حيث انفجر الصراع علناً.
تبادل لاعبو الفريق الألماني الاتهامات بالتقاعس داخل الملعب، وشعر النمساويون بأنهم أكباش فداء لمشروع فاشل، والألمان شعروا أن النمساويين خونة يرفضون القتال من أجل العلم الجديد، فكانت نتيجة ذلك أن تجرعوا الهزيمة 4 / 2 .
كبش الفداء ..
كانت الصحف في برلين، مثل صحيفة Der Angriff التي أسسها جوبلز تحت صدمة عنيفة، فكيف للآلة الألمانية “المتفوقة” أن تسقط أمام سويسرا ؟ ، وبدلاً من انتقاد التخطيط، وجهت الصحافة النازية سهامها نحو “اللاعبين النمساويين”، واتهمتهم بالبرود والتقاعس وعدم امتلاك الروح القتالية الألمانية.
روجت الصحف لفكرة أن تلوث المنتخب الألماني بالعناصر النمساوية التي وصفتها بالهشاشة، هو ما أدى للسقوط، وهي محاولة بائسة لإنقاذ صورة الإنسان الألماني المتفوق الذي لا يقهر.
في فيينا، كانت الصحف الرسمية تردد ما تقوله برلين خوفاً من “الجستابو”، لكن في “المقاهي” وبين السطور، كان هناك احتفاء صامت، وكانت هناك إشارات خفية بأن المنتخب الذي سرق لاعبينا لم يستطع أن يسرق نجاحنا، وأن شبح زينديلار الذي لم يسافر لباريس كان هو الغائب الحاضر الذي أضحك العالم على الغزاة.
بسبب هذا الهجوم الصحفي العنيف، قرر القادة النازيون تقليص الاعتماد على اللاعبين النمساويين مستقبلاً، وهو ما جعل رياضة النمسا تعيش عزلة تامة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
المظاهرة الأخيرة ..
في صباح 23 يناير 1939، أي بعد نهاية المونديال بستة أشهر فقط، وُجد ماتياس زينديلار جثة هامدة في شقته بشارع أناغاس في قلب العاصمة فيينا، وإلى جانبه صديقته الإيطالية كاميلا كاستينيولا التي فارقت الحياة لاحقاً في المستشفى.
كانت الرواية الرسمية النازية تقول أنه موت عرضي نتيجة تسمم بأول أكسيد الكربون بسبب مدفأة تالفة، وأغلقت السلطات النازية التحقيق في غضون 48 ساعة فقط، وأمرت بحرق الملفات المتعلقة بالحادثة، مما أثار شكوكاً لم تنطفئ نيرانها حتى اليوم.
تذهب معظم القراءات التاريخية إلى أن الغستابو تخلصت من سينديلار لعدة أسباب، أولها رقصة الإهانة التي لم يغفرها النازيون، وثانيها رفضه الانضمام لمنتخب ألمانيا وهو ما يُعد خيانة عظمى، وأخرها تردده على مقاهي المثقفين واليهود، ما جعله عنصراً غير مرغوب فيه داخل المجتمع الآري الجديد.
هناك رواية أخرى ترى أن سينديلار ، الذي كان يقدس حريته، انتحر مع صديقته بعدما أدرك أن الخناق يضيق حوله، وأن حانته ستُصادر، وأنه لن يستطيع ممارسة كرة القدم بالروح التي يعشقها في ظل الاحتلال.
رغم محاولات التعتيم، تحولت جنازة سينديلار إلى أكبر تظاهرة شعبية ضد النازية في فيينا، حيث خرج أكثر من 20 ألف شخص في شوارع فيينا المشلولة بالرعب، ليس لتوديع لاعب كرة قدم، بل لتوديع آخر رموز الاستقلال والكرامة الوطنية، كانت الجنازة هي المباراة التي لم يستطع النازيون إيقافها.
بمقتله، طُويت صفحة الـ Wunderteam للأبد، وصار سينديلار أول أسطورة مونديالية تغيب عن البطولة ليس بسبب الإصابة، بل بسبب النزاهة”، غيابه عن 1938 هو الذي جعل تلك النسخة تفتقد لروح الكرة، وتتحول لمجرد صراع سياسي بائس.
أديب الرياضة ..
محمد رضوان
===========
طالع أيضًا علي كورابيديا
- 1) ملهمة العالم وليلاه
- 2) الملك المدرب
- 3) جناية رجل شرطي
- 4) بين حق الدم وعشق القميص
- 5) حكاية السفينة التي حملت أحلام مصر















