سلسلة حكايات كأس العالم
(5) حكاية السفينة التي حملت أحلام مصر – مونديال 1934

من قلب الإسكندرية التي لم تمل يوماً من عناق البحر، انطلقت الرحلة، لا لتنقل مجرد مسافرين، بل لتزُف أحلام أمة قررت أن تمد بساط موهبتها فوق حدود الجغرافيا، وأن تضع لها مكانة مرموقة رغم نير الاستعمار.
هناك، حيث كانت السفينة تمخر عباب الأبيض المتوسط، كان رجال النيل يصيغون ميثاقاً جديداً للكرةِ العربية والأفريقية، ميثاقاً عنوانه أن الشمس التي تشرق فوق الأهرامات قادرة على أن تضيء ملاعب الرومان.
على المسرح العالمي ..
منذ اللحظات الأولى كان اسم مصر متواجد ويتردد بقوة في المحافل الدولية، وشهدت عشرينيات القرن الماضي مشاركة مصر في دورة الألعاب الأولمبية 1924 في باريس كأول فريق أفريقي يُشارك في بطولة دولية كبرى، وحققت مصر الفوز على المجر ثلاثية تاريخية نظيفة، قبل أن تخسر من السويد 5/0 ، لكن مصر عادت مرة أخرى في أولمبياد 1928 في أمستردام وحصلت على المركز الرابع، وخرجت الصحف الأوروبية حينها بعنصرية شديدة وازدراء، تتهكم من هذا الفريق الأفريقي القادم من الأدغال كما وصفت الصحف.

الطريق إلى المونديال ..
بعد أن تخطت مصر منتخب فلسطين في طريق التأهل إلى كأس العالم 1934، حيث فازت ذهابًا أمام ما يقرب من 13 ألف مشجع بملعب النادي الأهلي بنتيجة 7/1 ، ثم كررت الفوز بالقدس بنتيجة 4/1 على ملعب ” تيمار” التابع لنادي هابوعيل القدس، وكانت تركيا قد اعتذرت عن المشاركة في التصفيات بسبب التكاليف الباهظة حيث كانت تركيا تمر بمرحلة إعادة بناء اقتصادي تحت قيادة “مصطفى كمال أتاتورك”، اللافت للانظار أن منتخب فلسطين الذي واجه مصر لم يكن به لاعب عربي واحد.
معسكر مغلق لكأس العالم ..
بعد حسم التصفيات أمام فلسطين، لم يتوقف النشاط، بل دخل منتخب مصر في معسكر مغلق بمقر النادي الأهلي بالجزيرة، وكان المدرب الاسكتلندي جيمس ماكراي صارماً جداً، حيث فرض نظاماً غذائياً دقيقاً وساعات نوم محددة، وهو أمر كان غريباً على اللاعبين في تلك الحقبة.
وقد أدركت الإدارة الرياضية المصرية أن مواجهة فرق أوروبا تختلف عن مواجهة منتخب فلسطين، فتم ترتيب مباريات ودية قوية في القاهرة، أمام كل من فريق الكتيبة البريطانية (نادي طيران كاس) ، فريق منطقة القناة (British Canal Zone)، الخيالة الإسكتلندية (Scottish Horse) وفريق إشارة القيادة العامة (GHQ Signals).
كما استضافت مصر فريق “أوستروبيرجر” (Austro-Berger) النمساوي في أوائل عام 1934 وسط حضور جماهيري كبير، وكان الفريق النمساوي يضم نخبة من اللاعبين المحترفين الذين يمتازون باللياقة العالية والالتزام الخططي الصارم، وتشير بعض المصادر إلى تعادل إيجابي أو فوز طفيف للنمساويين، وعقب اللقاء صرح ريتشارد “ديك” كوهين (Richard Cohen) مدرب الفريق النمساوي:
“اللاعب المصري يمتلك مرونة فطرية تجعله يتفوق في المواجهات الفردية، لكنه كان ينقصه فقط الاحتكاك بفرق تلعب كرة جماعية سريعة، وهذا ما قدمناه لهم في تلك الودية.”
اجتماع اتحاد كرة القدم ..
اجتمعت اللجنة العليا للاتحاد المصري لكرة القدم في مقر الاتحاد بشارع الشواربي برئاسة حسين صبري باشا، وقررت اللجنة سفر المنتخب المصري على متن الباخرة الإيطالية تيفيري (SS Tevere) من ميناء الإسكندرية في التاسعة صباح الخميس الموافق 17 مايو ، وقررت اللجنة أن تتألف البعثة من حضرة صاحب العزة أحمد فؤاد أنور بك رئيسًا، وحسن رفعت بك سكرتيرًا، والسيد داود راتب أمينًا للصندوق، بالإضافة إلى 18 لاعب، والمدرب السكوتلندي (جيمس ماكراي)، وقد خصصت اللجنة العليا 100 جنيه للبعثة من خزانة الاتحاد بالإضافة إلى 800 جنيه إعانة من الحكومة المصرية .
فراعنة على بساط المتوسط ..
ركبت البعثة القطار من محطة القاهرة إلى الإسكندرية، وتم فصل العربة الخاصة بالبعثة عن بقية القطار، ثم ألحقت بقاطرة أخرى أوصلت البعثة إلى القباري، ثم نزل اللاعبون إلى الدائرة الجمركية، حيث لقيت تسهيلات كبيرة، وحفاوة بالغة من الموظفين، وفي دقائق قليلة كانت البعثة بأكملها فوق سطح الباخرة (تيفيري).
كانت السفينة تُعتبر من السفن الفارهة في ذلك الوقت، وقد حظيت البعثة المصرية بمعاملة تليق بـ “باشاوات” ذلك الزمان، حيث كان يرأس البعثة الفريق حيدر باشا.
في تمام الثانية بعد الظهر، أقلعت الباخرة من ميناء الإسكندرية، وقد مارس اللاعبون صبيحة كل يوم التدريب على سطح الباخرة تحت إشراف مستر ماكراي وبمساعدة من عضو اتحاد الكرة (محمود بدر الدين)، واقتصرت التدريبات على الجانب البدني من غير كرة، بين العدو ونط الحبل وحركات جمبازية.

تذكر روايات بعض اللاعبين، أمثال الكابتن محمد لطيف والكابتن مصطفى كامل منصور أنهم كانوا يؤدون التمارين الصباحية على سطح السفينة “تيفيري”، وكان السياح الإيطاليون المتواجدون على متنها يراقبونهم بفضول شديد، لدرجة أن بعضهم كان يظن أنهم “فرقة استعراضية” قبل أن يدركوا أنهم يمثلون مصر في المونديال.
تيفيري تضع رحالها ..
بعد يومين من الإبحار، حطت السفينة تيفيري على رصيف ميناء جنوة، حيث لم يكن الاستقبال عادياً، فقد كانت الموسيقى العسكرية الإيطالية تعزف في استقبال البعثة المصرية، وقبل نزول اللاعبين اجتمع بهم أحمد فؤاد أنور بك وشدد على ضرورة الالتزام من أجل الحفاظ على سمعة مصر، وهدد بتوقيع عقوبات مشددة على أي لاعب يخرق النظام، وقال :
” إننا جئنا ننافس ممالك العالم في الرياضة، ويجب أن ننافسهم في الأخلاق والسلوك الحسن، فاعملوا على رفع شأن مصر، وساعدونا على حفظ النظام في الفندق، وفي الطريق، وفي الملعب، وفي كل تنقلاتكم “
واستطرد رئيس البعثة قائلاً :
” إنني أقول ذلك بصيغة إنذار، ولن أتوانى في إرجاع المخطئ ثانية إلى مصر مهما كان مركزه، ومهما تعدد الأشخاص، ولو أدى ذلك إلى إلغاء المباريات “
ثم قامت البعثة بزيارة إلى قنصلية مصر في إيطاليا، وأرسلت برقيتين، واحدة للملك فؤاد جاء فيها :
” إن البعثة المصرية وهي تطأ أرض إيطاليا ترفع أسمى آيات الاحترام لجلالته”
بينما كانت الرسالة الثانية لبينيتو موسوليني رئيس وزراء إيطاليا مفادها:
” تحية للفاشيستي الأعظم “
فراعنة في مواجهة فيزوف ..
استقلت البعثة القطار إلى نابولي ، وكان هناك حشد من المسؤولين المحليين في مدينة نابولي بانتظار “فراعنة النيل”، ونزل اللاعبون ببدلاتهم الرسمية الأنيقة التي تحمل شعار المملكة المصرية، مما أعطى انطباعاً بالرقي والتحضر جعل الصحافة الإيطالية تصفهم بـ “السادة الشرقيين”، وفي شوارع نابولي، كان الجمهور الإيطالي ينظر بفضول شديد إلى هؤلاء اللاعبين القادمين من بلاد الأهرامات
تم إنزال البعثة في واحد من أفخم فنادق نابولي وأعرقها، وهو فندق “باركرز” (The Grand Hotel Parker’s) الذي يقع في شارع “كورسو فيتوريو إيمانويل” (Corso Vittorio Emanuele)، وهو أحد أرقى وأقدم الشوارع في مدينة نابولي.
ويتربع الفندق فوق تلة مرتفعة، مما منحه إطلالة بانورامية ساحرة على خليج نابولي وبركان فيزوف الشهير، كان الفندق المقصد المفضل للملوك، والأمراء، والأدباء العالميين مثل أوسكار وايلد ، فيرجينيا وولف ، وإقامة منتخب مصر فيه كانت رسالة إيطالية بأن “الفراعنة” ضيوف من الدرجة الرفيعة .

كان اللاعبون المصريون يقضون أوقات فراغهم في شرفة الفندق يراقبون ميناء نابولي، الذي كان يذكرهم بميناء الإسكندرية الذي انطلقوا منه، وشهدت ردهات هذا الفندق الاجتماع الفني الأخير قبل التوجه إلى ملعب “جورجيو أسكاريلي“، حيث ألقى مختار التتش كلمته الشهيرة لتحفيز اللاعبين قبل مواجهة المجر
السادة الشرقيون ..
أُعطيت تعليمات للصحف الإيطالية بالاحتفاء بالمنتخب المصري لإظهار أن روما هي قلب العالم الذي يجمع القارات (أوروبا، أمريكا، وأفريقيا عبر مصر)، لذلك وصفتهم الصحف بالسادة الشرقيون بأنهم فريق يتمتع بهيبة ملوكية وانضباط عالٍ، وأشادت ببدلاتهم الرسمية وتصرفاتهم داخل الفندق، مما أعطى انطباعاً بأن مصر أرسلت سفراء فوق العادة وليس مجرد لاعبي كرة قدم.
كتبت صحيفة La Gazzetta dello Sport عن “أبناء النيل” الذين جاءوا ليتحدوا عمالقة أوروبا، وصورتهم كفريق غامض يمتلك مهارات فنية قد تفاجئ الجميع، وركزت الصحيفة على المهارات الفردية للاعبين، وخاصة مختار التتش الذي وصفته بإنه يمتلك قدماً ساحرة وعقلاً يدير الملعب كقائد أوركسترا، كما قالت عن محمد لطيف ومصطفى منصور بأنهم يجمعون بين قوة التحمل البدني وذكاء الصحراء .
وبعد المباراة، لم تقف الصحافة الإيطالية موقف الشامت، بل كتبت صحيفة “إيل ليتوريالي” (Il Littoriale) التي كانت مقربة من الاتحاد الإيطالي:
“مصر لم تخسر، بل أعلنت ميلاد كرة قدم جديدة في أفريقيا”.
حفل الاستقبال الرسمي ..

أقام الاتحاد الإيطالي لكرة القدم مأدبة عشاء فاخرة للبعثة المصرية، أُلقيت فيها كلمات الترحيب التي تؤكد على الروابط التاريخية بين ضفتي المتوسط، وفي هذه الحفلة، لفت مختار التتش الأنظار بلباقتة وقدرته على التواصل مع المسؤولين الرياضيين الأوروبيين، مما رفع من شأن البعثة المصرية قبل انطلاق صافرة البداية.
مباراة الظلال والأنوار ..

انتقل منتخب مصر من شرفات فندق باركرز إلى عشب ملعب إسكاريللي لمواجهة المنتخب المجري، وكانت مصر قد اكتسحت المنتخب الهنغاري في أولمبياد باريس 3 / 0 ، لكن لسوء الحظ، لم يُكرر التاريخ نفسه، حيث خسرت مصر أمام المجر 4 / 2 ، لكن مصطفى كامل منصور تذكر أن النتيجة كانت غير عادلة، قائلاً:
” كنا الفريق الأفضل، واستحقينا الفوز”.
كانت المجر قد تقدمت بهدفين بفضل بال تيليكي وجيزا تولدي، المدرب السابق للزمالك، ثم تمكنت مصر من معادلة النتيجة، وكل ذلك في الشوط الأول، أصبح عبد الرحمن فوزي أول لاعب أفريقي يسجل في كأس العالم بهدفه في الدقيقة الثلاثين، ثم أضاف هدف التعادل في الدقيقة 39 لتصبح النتيجة 2-2.
في عام 2002، أكد مصطفى كامل منصور في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية BBC أن عبد الرحمن فوزي حُرم من تسجيل ثلاثية تاريخية بسبب قرار الحكم، قائلًا:
” عندما كانت النتيجة 2-2، استلم زميلي فوزي الكرة من منتصف الملعب وراوغ جميع لاعبي المجر ليسجل الهدف الثالث. لكن الحكم ألغى الهدف بداعي التسلل! “
سجّل يينو فينسه الهدف الثالث للمجر في الدقيقة 53، قبل أن يحسم الأوروبيون المباراة لصالحهم أمام مصر عندما سجّل جيزا تولدي الهدف الرابع في الدقيقة 60، ولا يزال كامل منصور، الذي توفي عام 2002، يشعر بالمرارة تجاه هذا الهدف، وتحدث عن ذلك قائلاً:
” أمسكت بالكرة العرضية، لكن مهاجمهم ضربني بركبته في صدري، وتسبب مرفقه في كسر أنفي، بل ودفعني خلف خط المرمى “
بدلًا من معاقبة المجريين على الخطأ، أطلق الحكم الإيطالي رينالدو بارلاسينا صافرته معلنًا الهدف وسط صيحات غضب 15 ألف مشجع.
شاهد: فيلم وثائقي عن مباراة مصر والمجر
خاتمة ..
لقد غادروا إيطاليا وفي حقائبهم هزيمة رقمية عابرة، لكن في عيونهم بريق نصرٍ معنوي لا يغيب، وفي صدورهم يقينٌ بأن النيل الذي سقى الحضارة الأولى، قادرٌ على إنبات المجد في أي أرضٍ يطؤها. رحل “التتش” ورفاقه، وتركوا خلفهم في “أسكاريلي” رائحة المسك المصري وعرق الجد، لتظل حكايتهم في مونديال 1934 مشكاةً للأدب الكروي، تتوارثها الأجيال كقصيدةِ فخرٍ لم تكتمل أبياتها، لكن قوافيها كُتبت بمدادٍ من كبرياء.
لقد كانت البداية.. وكانت “خلف كواليس المونديال” قصة وطنٍ أراد أن يقول للعالم: “هنا مصر”، فأنصت التاريخ، وصفقت نابولي، وخلد النسيانُ أسماءهم في ديوان الخلود.
أديب الرياضة ..
محمد رضوان
===========















