سلسلة حكايات كأس العالم .. (8) الموت مرتين – مونديال 1950

0
15
كأس العالم 1950
زمن القراءة: 6 دقيقة

سلسلة حكايات كأس العالم
(8) الموت مرتين – مونديال 1950

ثَمَّةَ خطايا في محراب الساحرة المستديرة لا تمحوها التوبة، وعثراتٌ لا يغفرها الزمن وإن طال بها الأمد

هناك، خلف الخطوط البيضاء، يقف رجل وحيد ليس كبقية البشر، رجل لم يكن يحرس مرمىً من خشبٍ وجلد، بل كان يحرس أحلام أمةٍ بأكملها، قبل أن تصبح تلك الأحلام مقصلة تلتف حول عُنقه طوال العمر.

هي قصة رجل لمس المجد بأطراف أصابعه، فارتد المجد جحيماً، ومن استجار بالنسيان فلم يجره سوى صدى الأنين، حكاية القيّد الخفي الذي لم يُصنع من حديد، بل من نظرات العيون وصمت الدروب.

في هذا الفصل، نقتفي أثر الضحية التي حُمِّلَتْ أوزار شعب، الأسير الذي عاش حُراً في الطرقات، مسجوناً في ليلةٍ واحدةٍ أبت أن ترحل، ليبقى بطلنا شاهداً على أن كرة القدم قد تكون أحياناً ديناً بلا غفران، وصلاةً تنتهي بصلب إمامها “

مصارعة الثيران في مدريد ..

كانت مباريات منتخب البرازيل في كأس العالم 1950 تُمثل درسًا للخصوم، ففي كل مرة يدخل فيها السيليساو إلى أرض الملعب يتم استقباله بالقنابل الصوتية والألعاب النارية، التي يقف لها الخصوم والمتابعون مشدوهون، فهذه المرة الأولى التي يتم فيها دخول المقذوفات الاحتفالية في ملاعب كرة القدم، وبالطبع تعرض هذا النوع من الاحتفال لانتقادات لاذعة من قِبَل الصحافة.

في الدور النهائي، الذي أقيم بنظام المجموعة، سحق منتخب البرازيل أولًا المنتخب السويدي 7 / 1 ، ثم قدّمت أروع مبارياتها أمام إسبانيا على ملعب ماراكانا، وفي حضور أكثر من ١٥٢ ألف متفرج، عندما كانت النتيجة 6 / 0 غنّى آلاف المشجعين البرازيليين، وهم يلوّحون بالمحارم، أغنية “مصارعة الثيران في مدريد” ( Touradas em Madrid )، في إشارة إلى الأداء المهيمن الذي قدّمه المنتخب البرازيلي على أرض الملعب، والذي توج بالفوز 6 / 1 .

واستذكر الملحن البرازيلي براغينيا تلك اللحظة قائلاً: (كان ملعب ماراكانا بأكمله يُردد الأغنية باستثناء شخص واحد، أنا، فعندما وقف الجميع يحتفلون، لم أستطع سوى البكاء، لم أتوقع أبدًا أن تُغنى المارشينيا التي ألفتها مع صديقي ألبرتو ريبيرو يومًا ما من قِبل مئتي ألف شخص في وقت واحد، لهذا السبب لم أغنِّ بل بكيت فقط، كانت دموعًا حلوة ورقيقة)

يجب أن تفوز البرازيل ..

لم يتبقى للبرازيل في الدور النهائي سوى مواجهة المنتخب الأوروغواياني الذي تعادل مع إسبانيا 2 / 2 ثم فاز بالكاد على السويد 3 / 2 ، لذلك جاءت مباراة البرازيل وأوروغواي لتصبح بمثابة مباراة نهائية .

كان شعور الفوز يسيطر على كل البرازيل، ونشرت صحيفة “موندو ديبورتيفو” عنوانًا رئيسيًا يقول: (هؤلاء هم أبطال العالم) مصحوبًا بصورة كبيرة للمنتخب البرازيلي، وتم صنع 22 ميدالية ذهبية، نُقش عليها اسم كل لاعب، وألقى عمدة ريو، أنجيلو مينديز دي مورايس، خطاباً في يوم المباراة قال فيه:

(أنتم أيها اللاعبون، الذين سيُهلل لكم الملايين من أبناء وطنكم كأبطال في غضون ساعات قليلة! ، أنتم الذين لا منافس لكم في نصف الكرة الأرضية بأكمله! ، أنتم الذين ستتغلبون على أي منافس آخر! ، أنتم الذين أحييكم الآن كفائزين).

وتم تأليف أغنية النصر ” “Brasil Os Vencedore” (البرازيل المنتصرة) والتدرب عليها، لتكون جاهزة للعزف بعد المباراة النهائية، وفي صباح يوم 16 يوليو 1950، كانت شوارع ريو دي جانيرو تعجّ بالحركة والنشاط، ونُظّم كرنفال ارتجالي، رُفعت فيه آلاف اللافتات احتفالاً بالفوز باللقب العالمي، وهتفت الجماهير “يجب أن تفوز البرازيل” .

عناد الزعيم الأسود ..

قبل انطلاق المواجهة، تقدم أحد المسئولين عن منتخب أوروغواي، وتحدث إلى اللاعبين بروح انهزامية قائلا:

(أيها الفتية، لا تلقوا بالاً للأمر، حاولوا فقط ألا يسكن مرماكم ستة أهداف، سنكون راضين بأربعة أهداف فقط) 

بالطبع كان المسئول يلمح إلى أن منتخب البرازيل سحق قبل هذا اللقاء منتخبي السويد وإسبانيا بسداسية وسباعية، وقبل المباراة بلحظات، أبلغ المدرب خوان لوبيز لاعبيه في غرفة ملابس منتخب أوروغواي أن أفضل فرصة لهم للتغلب على خط هجوم البرازيل القوي تكمن في اتباع استراتيجية دفاعية.

بعد مغادرة المدرب غرف اللاعبين، وقف قائد المنتخب الأوروغواياني أوبدوليو فاريلا وخاطب الفريق قائلاً:

( خوانسيتو رجل طيب، لكنه مخطئ اليوم، إذا لعبنا بأسلوب دفاعي أمام البرازيل، فلن يختلف مصيرنا عن مصير إسبانيا أو السويد )

وكان باريلا قد اشترى نسخًا من صحيفة “موندو ديبورتيفو” وغطّى بها غرفة ملابس الفريق بأكملها، وكتب بالطباشير على المرايا ..

(دوسوا على هذه الصحف وتبوّلوا عليها)

ثم أمر فاريلا رفاقه بالذهاب إلى الحمام واتباع تعليماته، ثم قال بحماس:

 ( لا تفكروا في كل هؤلاء الناس، ولا تنظروا إلى الأعلى،  أولئك الموجودون في الخارج مجرد متفرجين، وفي الملعب، سيكون أحد عشر لاعبًا ضد أحد عشر،  تُحسم المباراة بالشجاعة )

1950
الزعيم الأسود أوبدوليو فاريلا

ثم أعطى الزعيم الأسود أمرًا لزملائه بدخول الملعب في وقت دخول المنتخب البرازيلي تجنبًا لصافرات الاستهجان، وقد ذكرت بعض وسائل الإعلام في أوروغواي أن المدافع شوبرت غامبيتا بهدوء يحسد عليه، استلقى قبل المباراة بساعات في غرفة ملابس ملعب ماراكانا، وقضى قيلولته كاملة غير مبالٍ بالحدث .

الماراكانازو ..

كان الفريق الأوروغواياني يخبئ مفاجأة كبيرة للبرازيليين، ففوق أنهم أدركوا التعادل بعد عشرين دقيقة فقط من هدف التقدم الأصفر، عن طريق المهاجم الأسطوري خوان ألبرتو شيافينو “بيبي، جاءوا ليضربوا قلوب البرازيليين الحاضرين في ملعب الماراكانا.

في أهم يوم في مسيرته، وفي الدقيقة 79 ، تلقى ألسيديس غيغيا مهاجم أوروغواي تمريرة بينية من خوليو بيريز، وتمكن من تجاوز الظهير الأيسر بيغودي، ودخل منطقة الجزاء، وبدلاً من التمرير العرضي إلى المنتصف كما فعل في هدف أوروغواي الأول، سدد كرة قوية منخفضة في الزاوية اليسرى للمرمى، متجاوزًا الحارس باربوزا الذي لم يتمكن من صدها، وهكذا قلبت أوروغواي النتيجة في صالحها 2 / 1 .

رفع قائد أوروغواي أوبدوليو باريلا كأس العالم في قلب الماراكانا وسط 850 173 ألف مشجع برازيلي متحمس، وبعد مرور ما يقرب من أربعين عامًا، لخص ألسيديس غيغيا إنجازه في جملة واحدة:

” ثلاثة أشخاص فقط، أسكتوا ملعب ماراكانا الذي يضم 200 ألف متفرج، فرانك سيناترا، والبابا يوحنا بولس الثاني، وأنا ” 

كانت تلك الهزيمة الأكثر إيلامًا في تاريخ كرة القدم البرازيلية، وأطلق عليها المؤرخون EL Maracanazo ، لقد خيّم الصمت على ملعب ماراكانا في ١٦ يوليو ١٩٥٠، وبعد أن غمرهم الحزن، استغرق ما يقارب ٢٠٠ ألف مشجع أكثر من نصف ساعة لمغادرة الملعب، فيما أطبق الصمت على الصحفي الإذاعي البرازيلي الشهير آري باروسو.

باريلا رئيسًا للجمهورية ..

في 23 يوليو وضعت جريدة كوريو دو بوفو (بريد الشعب) البرازيلية عنوانًا كبيرًا قالت فيه (أوبدوليو باريلا رئيسًا للجمهورية)، بالطبع كانت الجريدة تسخر من منتخب بلادها، وبعد العودة إلى مونتفيديو، قرر المسؤولون في أوروغواي صنع ميداليات ذهبية لهم، بينما كانت ميداليات اللاعبين من الفضة، وهو ما جعل باريلا يقول:

(لو كنا نعرف لخسرنا عن قصد)

ومن ناحيته قال غيغيا، الذي سجل في جميع مباريات البرازيل:

(لو عرفت هذا، لكنت سددت الكرة إلى الخارج)

وكان ثمانية من جماهير أوروغواي قد لقوا حتفهم نتيجة للاحتفالات الصاخبة في أحد ميادين العاصمة .

أوروغواي بطلة ..

تحت عنوان “أوروغواي بطلة” ، أشادت صحيفة أو غلوبو البرازيلية بالعرض الرائع، والروح القتالية التي قدمتها أوروغواي، وذكّرت بأن البرازيل انتقلت من توقعات حماسية إلى خيبة أمل مريرة، ومارست العادة الوطنية آنذاك المتمثلة في توجيه أصابع الاتهام إلى المسؤولين عن الإخفاقات الرياضية، مشيرة إلى أن خطأين مؤسفين جعلا بعد ظهر اللاعبين البرازيليين التعيس أكثر وضوحًا.

1950
أوروغواي بطلة

حاول تقرير إخباري وصف الأجواء في غرفة ملابس المنتخب البرازيلي بعد المباراة بدقة بالغة،وأكد المحرر على أن دانيلو آخر من غادر الملعب. وكان أيضًا آخر من وصل إلى غرفة تبديل الملابس. وصل متأخرًا، يشق طريقه ببطء، يجرّ نفسه عبر الممر المظلم للنفق الطويل الصامت. سار دانيلو بلا هدف، حزينًا، يمشي ويتوقف. من حين لآخر كان يتوقف ليفرك عينيه، لينظر إلى الفراغ مجددًا. ثم يعود للمشي، تائهًا، مشوشًا. 

قال دانيلو لأحد الصحفيين : (كانت كارثة! والله، ما زلت لا أفهم كيف حدث هذا لنا)، فاعترض الصحفي قائلاً: (لكنك لم تلعب بشكل سيئ يا دانيلو) ، فباغته اللاعب البرازيلي:

(كنت أرغب في أن ألعب بأقل من مستواي، كنت أرغب في أن أكون أسوأ لاعب في الملعب، أسوأ لاعب في الفريق، وألا تخسر البرازيل )

كبش الفداء ..

بعد كأس العالم، بدأت مأساة جديدة، مأساة الرجل الذي لم يعاقبه القانون، بل عاقبه شعب بأكمله لمدة خمسين عاماً. إنها قصة الحارس مواشير باربوزا (Moacir Barbosa) ، الذي لم يكن حارساً عادياً، بل كان يُعتبر الأفضل في عصره حتى تلك اللحظة المشؤومة في عام 1950

1950
باربوزا حزينًا بعد مأساة الماراكانازو

كان حارس المرمى البرازيلي مواشير باربوزا دو ناشيمنتو أحد المتسببين الرئيسيين في “مأساة ماراكانا”، ودفع ثمنها لعقود، فقد وصل الأمر إلى أنه بعد خمس سنوات من العزلة، أراد زيارة معسكر المنتخب البرازيلي عام 1994، لكن المدرب ماريو زاغالو آنذاك منعه من ذلك لأنه يجلب الحظ السيئ، وقال باربوزا بعد بلوغه التاسعة والسبعين:

(في البرازيل، أقصى عقوبة هي السجن 30 عامًا، وأنا أقضي عقوبتي منذ 50 عامًا)

الرجل الذي أبكى بلد ..

تم تحميل باربوزا مسؤولية الهزيمة، ودُمرت مسيرته الرياضية، وظل يُلام طوال حياته، وأُجبر على الفرار من ريو مع زوجته خوفاً من آلاف التهديدات، حتى زملاء باربوزا لم يسامحوه، وغالبًا ما تم إيقافه عند بوابات الملاعب بتوجيه من رئيس الاتحاد شخصيًا، ولم يُسمح له بالتواجد في البرامج الرياضية للتعليق على انجازات المنتخب البرازيلي اللاحقة، ومع ذلك، دافع عنه بعض البرازيليين، فقد كتب أحدهم أن باربوزا تعرض لأكبر ظلم في تاريخ كرة القدم، وأرجع هذا العداء الشديد للون بشرة باربوزا السمراء.

في عام 1970، استمر في مواجهة استهزاء الجماهير البرازيلية. وتقول الأسطورة إن امرأة، برفقة ابنها، وجدت باربوسا في أحد الأسواق: 

  (انظر يا بني.. هذا هو الرجل الذي جعل البرازيل كلها تبكي!)

حرق المرمى ..

كان الحارس المسكين معتاد على اللعب بدون قفازات، وقد أرجع البعض خسارة نهائي كأس العالم إلى ذلك، وفي محاولة يائسة للتطهر من الذنب، ذهب باربوزا إلى ملعب الماراكانا عندما قرروا استبدال عوارض المرمى الخشبية بأخرى معدنية، ولب الحصول على أعمدة المرمى التي سكنها هدف غيغيا

وفي محاولة يائسة للتخلص من “اللعنة” التي لاحقته، عاد باربوزا بعوارض المرمى إلى منزله وأشعل فيها النار وأقام عليها “وليمة شواء” لأصدقائه. كان ينظر للنيران وهي تلتهم الخشب ويظن أنه بذلك يحرق لعنته، لكنه اكتشف لاحقاً أن النار أحرقت الخشب ولم تحرق الكراهية في قلوب الناس.

الرحيل ..

بعد اعتزاله عام 1942، وهو في سن 42 سنة، عمل باربوزا في ملعب ماراكانا، حيث اعتاد على قص العشب، ويقال إنه كان يولي اهتماماً خاصاً للمنطقة التي استقبل فيها الهدف، ومع تقدم العمر قضى باربوزا سنواته الأخيرة في شقة صغيرة مستأجرة، يعيش على معاش تقاعدي ضئيل جداً، منحه إياه ناديه فاسكو دا غاما مدى الحياة ، وكان يقضي معظم وقته وحيداً، حيث كان الناس في منطقته يتجنبون الحديث معه عن كرة القدم، ليس احتراماً لمشاعره، بل لأنهم كانوا يرون فيه “شؤماً” يفسد عليهم يومهم.

وبعد سنوات توفت زوجته كليوتيلد وقامت صديقته تيريزا بمساعدته كثيرًا، وعند وفاته قال لصديقته وهو يبكي:

(لست مذنبًا، لقد كان هناك 11 شخص في الملعب)

أديب الرياضة ..
محمد رضوان
===========

طالع أيضًا علي كورابيديا 

سلسلة حكايات كأس العالم 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here