سلسلة حكايات كأس العالم .. (13) فضيحة حمام السباحة – مونديال 1974

0
5
سلسلة حكايات كأس العالم .. فضيحة حمام السباحة
زمن القراءة: 9 دقيقة

سلسلة حكايات كأس العالم
(13) فضيحة حمام السباحة – مونديال 1970

حكايات كأس العالم .. فضيحة حمام السباحة – مونديال 1974

لم تكن هزيمة هولندا في نهائي 1974 نتاج قذيفة من جيرد مولر فحسب، بل كانت طعنة مسمومة صيغت محابرها حول حمام سباحة هيلتروب. ليلة أن تحالفت الفلاشات مع عتمة الليل، نجحت الصحافة الألمانية في اختراق حصون ‘الكرة الشاملة’ لا بتكتيك دفاعي، بل بحكاية ورقية هزت سرير القائد يوهان كرويف. طار الكأس إلى خزائن بون، وظلت ‘ليلة المسبح’ فصلاً تراجيدياً يثبت أن عباقرة المونديال قد يسقطون بكلمة عابرة على غلاف صحيفة، قبل أن تسقطهم أقدام الخصوم في مربع العمليات!

كأس العالم 1974
فضيحة حمام السباحة

ألمانيا التي تتغير ..

كانت ألمانيا الغربية تعيش مخاضاً حقيقياً، فبينما كانت الجماهير تترقب صافرة المونديال الأولى، هزت عروش السياسة استقالة المستشار “ويلي برانت” بعد الكشف عن اختراق ضابط المخابرات الجاسوس “غونتر غيوم” (التابع لألمانيا الشرقية) لأعلى هرم السلطة. وفي نفس الوقت، كان المجتمع الألماني يتحرر قانونياً بخفض سن الرشد من 21 عام إلى 18 عاماً، وينضبط مرورياً بنظام النقاط الصارم، وكأن الدولة تعيد تنظيم صفوفها تكتيكياً وقانونياً لاستقبال العالم.

شهد هذا العام ولادة أعظم المحققين في تاريخ الدراما الألمانية “المفتش ديريك” مسلسل الجريمة الذي قام بتجسيده الممثل هورست تابيرت، وهو نفسه العام الذي شهد أكبر عملية تحقيق ومراقبة صحفية في تاريخ المونديال! وكأن أجواء التحري والبحث عن الجناة انتقلت من شاشات التلفاز لتصبح تكتيكاً إعلامياً استخدمته صحيفة “بيلد” لاحقاً بنصب كمين “حمام السباحة” الشهير

الكرة الشاملة ..

في صيف 1974، كان المنتخب الهولندي يقدم كرة قدم سريالية سحرت العالم أجمع، تحت قيادة المدرب الداهية “مارينوس (رينوس) ميتشيلز” جنرال الكرة الشاملة، كان الفريق يجمع بين المهارة والقوة والسرعة، بقيادة الأسطورة يوهان كرويف، ومعه الأخوين ريني فان دي كيركوف ، ويلي فان دي كيركوف، يوهان نيسكنز، رود كرول ، جوني ريب، روب رينزينبرينك، أري هان ، ويأتي من خلف هؤلاء النجوم الحارس العملاق يان يونجبلودالذي كان يفضل على غير العادة ارتداء قميص يحمل الرقم 8 

الهولندي الطائر ..

كأس العالم 1974

أسطورة الهولندي الطائركان يوهان كرويف المولود في 25 أبريل 1947 أسطورة جيله بحق، لذا لم يكن غريبًا أن تطلق عليه الجماهير أكثر من 10 ألقاب، أشهرها بالطبع “الهولندي الطائر”، ومنها “فيلسوف الكرة” ، “الملك يوهان” ، “المايسترو” ، “الأيقونة 14” ، وأطلقت عليه الصحف الإسبانية لقب El Salvador المنقذ” والصحف الإنجليزية Pythagoras in Boots فيثاغورث في حذاء

أما أسطورة الهولندي الطائر De Vliegende Hollanderفهي تحكي عن سفينة أشباح أسطورية لا يمكنها أبداً أن ترسو في ميناء، ومحكوم عليها الإبحار في المحيطات إلى الأبد. ومن المرجح أن تكون هذه الأسطورة قد نشأت من الفولكلور البحري في العصر الذهبي للقرن السابع عشر لشركة الهند الشرقية الهولندية (VOC) .

وقد استخدمت فكرة الهولندي الطائر في العديد من الأعمال الأدبية والموسيقية؛ فقد اعتمد الشاعر الإنجليزي صمويل تايلور كولريدجقصيدته الملاح القديم 1798، على هذه الأسطورة. وحوّر المؤلف الموسيقي الألماني ريتشارد فاجنر القصة في روايته التمثيلية الموسيقية أوبرا الهولندي الطائر (1843م).

سرقة تذكرة ميونيخ ..

أوقعت القرعة المنتخب الهولندي في المجموعة الثالثة من التصفيات المؤهلة لكأس العالم العاشرة في ألمانيا الغربية 1974 ، مع منتخبات بلجيكا، النرويج ، أيسلندا، وتصدرت البرتقالة المجموعة بفارق الأهداف عن جارتها اللدود بلجيكا الذي تعادلت معه سلبيًا ذهابًا وإيابًا، لكنها سجلت أرقام قياسية مع المنتخبين الأخرين.

اكتسحت هولندا المنتخب النرويجي بتسعة أهداف نظيفة في أمستردام، ثم في أوسلو فازت 2 / 1 في الدقائق الأخيرة، وعادت مرة أخرى، وفازت على أيسلندا بنتيجة 5 / 0 في هولندا ، 8 / 1 في ريكيافيك

في أخر مباريات تصفيات المجموعة بين هولندا وبلجيكا في ملعب الملك فيليم الثانيفي أمستردام، نجح التكتيك البلجيكي الصارم الذي فرضه الداهية رايموند غوتالسفي شل حركة يوهان كرويف ورفاقه، وظل التعادل السلبي سيد الموقف حتى الدقيقة 89. وهنا حدثت المفارقة التي غيرت مجرى تاريخ كرة القدم

احتسبت لبلجيكا ركلة حرة غير مباشرة، نُفذت بدقة داخل منطقة الجزاء ليقتنصها المهاجم البلجيكي “جان فيرهاين” ويسكنها شباك هولندا فجأة، انطلق لاعبو بلجيكا في فرحة جنونية احتفالاً بالصعود التاريخي للمونديال وإقصاء هولندا، لكن الحكم المساعد (حكم الراية) رفع رايته معلناً وجود حالة “تسلل”، فألغى حكم الساحة السوفييتي بافيل كازاكوفالهدف وسط ذهول الجميع، حتى أطلق الحكم صافرة النهاية بالتعادل السلبي، لتتأهل هولندا بفارق الأهداف، وتخرج بلجيكا باكية رغم أنها لم تخسر أي مباراة ولم تستقبل شباكها هدفاً واحداً طوال التصفيات!

جمهورية هيلتروب، بين التحرر والمصيدة ..

كأس العالم 1974
معسكر هولندا بين التحرر والمصيدة

كان معسكر المنتخب الهولندي في صيف عام 1974 أشبه بجمهورية مصغرة من التحرر والصخب الكروي الفلسفي، تقع في بلدة “هيلتروب” الألمانية الغربية، وتحديداً داخل فندق “فالد هوتل كراوتكرامر“.

في وقت كانت فيه المنتخبات الأخرى—وعلى رأسها الماكينات الألمانية—تفرض على لاعبيها نظاماً عسكرياً صارماً أشبه بالثكنات المنعزلة عن العالم، كان معسكر هولندا واحة من الانفتاح الديمقراطي

كان فندق إقامة الطاحونة الهولندية يعج بضحكات اللاعبين، وصوت الموسيقى، والدخان المتصاعد؛ إذ كان ميتشيلز يسمح لنجومه (وعلى رأسهم يوهان كرويف) بالتدخين وشرب الجعة دون قيود تذكر، ما داموا يطبقون فلسفة “الكرة الشاملة” فوق العشب بحذافيرها.

تميز المعسكر بالسماح لزوجات وصديقات اللاعبين بزيارتهم والتواجد في محيط الإقامة، وهي خطوة ثورية في أدب المونديال آنذاك، جعلت الفندق يبدو كمنتجع سياحي هادئ لعائلات تعيش عطلة الصيف، لا معسكراً لرجال يطاردون ذهب كأس العالم.

لم تكن هذه الحرية ناتجة عن تسيب إداري، بل كانت تكتيكاً نفسياً ومدروساً من رينوس ميتشيلز؛ كان يؤمن بأن الضغط الذهني الرهيب لبطولات كأس العالم يتطلب ترويحاً مرادفاً وموازياً، كان المبدأ غير المكتوب في المعسكر:

“امنحوني العبقرية والانضباط الحركي لمدة 90 دقيقة على العشب، وخذوا ما شئتم من الحرية خلف الستار”.

كان قلب هذا المعسكر النابض هو “حمام السباحة” التابع للفندق، حيث كان يجتمع رفاق كرويف، وآري هان، وجوني ريب للاسترخاء والحديث تحت أشعة الشمس، لكن هذا المكان تحديداً تحول من مساحة للاستجمام البصري إلى فخٍّ تراجيدي

الطريق إلى النهائي ..

بعد أن عبرت هولندا مَتاهة التصفيات بفضل “راية التحكيم العمياء” ضد بلجيكا، دخل “الجنرال” رينوس ميتشيلز وكتيبته البرتقالية مونديال ألمانيا الغربية 1974 ليعزفوا سيمفونية تكتيكية أبهرت العالم. ولم يكن طريق “الطواحين” إلى المباراة النهائية مجرد عبور تقليدي، بل كان “إعصاراً كروياً” دهس في طريقه كبار اللعبة بقوة “الكرة الشاملة”.

وقعت هولندا في المجموعة الثالثة، واستعرضت قوتها التكتيكية البدنية والبصرية منذ اللحظة الأولى:

  • فازت أوروغواي 2 / 0 بهدفي جوني ريب
  • تعادلت سلبيا مع السويد
  • فازت على بلغاريا 4 / 1 سجل نيسكنز هدفين وكل من جوني ريب ودي يونغ هدف، بينما سجل رود كرول هدف بلغاريا بصورة عكسية

في الدور الثاني، وُضعت هولندا في مجموعة مرعبة تضم عمالقة أمريكا اللاتينية (البرازيل والأرجنتين) بالإضافة إلى ألمانيا الشرقية، وكان بطل المجموعة فقط يتأهل مباشرة إلى النهائي الكبرى.

فضيحة حمام السباحة ..

قبل يوم واحد من مباراة نصف النهائي ضد البرازيل، نشرت صحيفة بيلد” الألمانية مقالاً في صباح يوم المباراة النهائية (7 يوليو 1974) بالخط العريض على الصفحة الأولى

“كرويف، الجعة، والفتيات العاريات.. وحمام سباحة مائي!”

يقول التقرير :

“كانت الساعة تقارب الثانية صباحًا عندما استيقظ غيدو فريك، مراسل صحيفة بيلد، أبقت الموسيقى الصاخبة الشاب البالغ من العمر 26 عامًا مستيقظًا في سريره بفندق كراوتكرامر، مقر المنتخب الهولندي. في بار الفندق، التقى بابن مدير الفندق، الذي دعاه لتناول كأس من الويسكي.

تفاجأ فريك كثيراً عندما التقى بنجوم المنتخب الهولندي في تلك الساعة المتأخرة، وروى قائلاً:

“شعرت بالحيرة التامة عندما رأيت يوهان كرويف بين الحضور. كان يرقص متشابكاً مع فتاة ذات شعر أحمر على أنغام أغنية لفرقة بي جيز. فقلت في نفسي: ‘قد يكون هذا مثيراً للاهتمام”.

وهكذا كان الأمر، لأن كرويف خطرت له فكرة نقل الحفل إلى المسبح. قفز المراسل فريك واللاعبون كرويف، ورينسنبرينك، وشرايفرز، وبلون ستريك، بالإضافة إلى فتاتين، عراةً إلى مسبح الفندق، واحتفلوا هناك حتى الساعة السابعة صباحًا.

كان قائد المنتخب الهولندي في حالة مزاجية سيئة عندما علم، بعد 16 ساعة، أن أحد الصحفيين كان من بين المصطافين. واجه فريك، واضطر زملاؤه إلى إبعاده عنه بالقوة. كان يغلي من الغضب، لأن هذا الأب لثلاثة أطفال كان على وشك خوض محادثتين صعبتين:
الأولى مع المدرب رينوس ميتشلز، والثانية مع زوجته التي كانت ستسافر إلى ميونيخ لحضور المباراة النهائية…

هواتف لا تهدأ ..

فور صدور غلاف الصحيفة الحارق، اشتعلت خطوط الهاتف الدولية بين هولندا وألمانيا الغربية. لم ينم لاعبو المنتخب الهولندي ليلتهم؛ ليس بسبب التفكير في كيفية إيقاف الماكينات الألمانية، بل لأنهم أمضوا الساعات الطوال مستيقظين يحاولون الدفاع عن أنفسهم وتفنيد الاتهامات أمام زوجاتهم اللواتي أصبن بصدمة عارمة وغضب عاصف جراء العناوين العريضة التي تتحدث عن الجعة والفتيات.

كانت ردة الفعل الأكثر تدميراً وتأثيراً على مجرى البطولة هي تلك التي صدرت من “داني كرويف”، زوجة القائد يوهان كرويف، إذ اتصلت غاضبة ومطالبة بتفسيرات قاطعة لما نُشر، ولم تكن داني مجرد زوجة تقليدية، بل كانت تنتمي لعائلة هولندية ثرية ولها تأثير قوي جداً على شخصية كرويف وقراراته.

أمضى كرويف الليلة كاملة حتى الصباح على الهاتف يحاول إقناعها ببراءته وأن الأمر لا يتعدى فبركة صحفية لضرب استقراره. نزل كرويف إلى أرض الملعب في الموعد النهائي وهو يعاني من شتات ذهني حاد وإرهاق نفسي رهيب؛ إذ كان عقله لا يزال في أمستردام يحاول لملمة شظايا ثقة زوجته المهزوزة، وهو ما يفسر غياب توهجه المعتاد في تلك الموقعة التاريخية.

لم يقتصر الأمر على كرويف؛ فالنجم جوني ريب اعترف لاحقاً بأن الأجواء تحولت إلى “جحيم عائلي”. بعض الزوجات هددن بحزم حقائبهن ومغادرة منازلهن، وأخريات رفضن الحديث تماماً، مما خلق حالة من “الشلل النفسي الجماعي” داخل معسكر هيلتروب. وبدلاً من أن يدعم مجتمع الزوجات أزواجهن في ليلتهم الكبرى، أصبح مصدر الضغط الأكبر عليهم.

مكيدة مدفوعة الأجر ..

بعد مرور عقود على تلك الحادثة، اعترفت بعض الفتيات اللواتي ظهرن في تلك الليلة بأن الأمر كان مكيدة مدفوعة الأجر؛ حيث قامت صحيفة “بيلد” الألمانية باستئجار أربع فتيات محليات وإرسالهن إلى فندق إقامة المنتخب الهولندي، مع توجيه مصورين لالتقاط أي كادرات تجمع اللاعبين بهن حول المسبح، حتى لو كانت مجرد أحاديث عابرة.

اللاعبون الهولنديون، ومنهم النجم “جوني ريب”، أكدوا لاحقاً أنهم كانوا بالفعل يجلسون حول المسبح يشربون الجعة بعد التأهل إلى النهائي، وفوجئوا بوجود الفتيات وتحدثوا معهن لبضع دقائق بشكل طبيعي جداً دون أي تجاوزات أخلاقية أو “عُري” كما ادعت الصحيفة في عنوانها الحارق.

نجحت الصحيفة الألمانية في تكتيكها؛ إذ كانت تدرك أن مواجهة “الكرة الشاملة” لهولندا فوق أرض الملعب هي انتحار كروي، فكان البديل هو “تدمير معنويات القائد يوهان كرويف” وزعزعة استقرار البعثة عائلياً ونفسياً.

وبالفعل، حققت الفبركة غرضها الأدبي والتراجيدي؛ فبينما كان الألمان ينامون في هدوء، قضى العباقرة الهولنديون ليلتهم في صراخ عبر خطوط الهاتف الدولية مع زوجاتهم خلف الستار.

انكسار الطواحين ..

كأس العالم 1974
لاعبو هولندا .. بين بلل المسبح ودموع ميونيخ

انطلقت المباراة النهائية على ملعب ميونيخ الأولمبي بصافرة الحكم الإنجليزي “جاك تايلور“، وبدأت هولندا بعزف سيمفونية “الكرة الشاملة” مباشرة من ركلة البداية، حيث تبادل لاعبو هولندا 16 تمريرة متتالية دون أن يتمكن أي لاعب ألماني من لمس الكرة أو قطعها.

تسلم يوهان كرويف الكرة وانطلق كالسهم مخترقاً عمق الدفاع الألماني، فلم يجد المدافع “أولي هينيس” بداً من عرقلته داخل منطقة العمليات، انبرى “يوهان نيسكينز” للركلة وسددها بقوة في شباك الحارس سيب ماير في الدقيقة الثانية، لتقدم هولندا أسرع هدف في تاريخ نهائيات كأس العالم، وسط ذهول المدرجات الألمانية.

بعد الهدف المبكر، سقط لاعبو هولندا في فخ “التعالي الكروي”؛ إذ بدأوا في تناقل الكرة بهدف إذلال الخصم تكتيكياً بدلاً من تعزيز النتيجة. وهنا ظهرت الشخصية القيادية لـ “القيصر” فرانز بيكنباور، الذي أعاد تنظيم صفوف الماكينات خلف الكواليس، وبدأ يطالب رجاله بالقتال. وفي الدقيقة 25، تحصلت ألمانيا على ركلة جزاء بعد عرقلة “بيرند هولسنباين“، ليسجل منها “بول برايتنر” هدف التعادل.

المفارقة التكتيكية الأبرز في اللقاء كانت التكليف الصارم الذي منحه مدرب ألمانيا “هلموت شون” للمدافع الشرس بيرتي فوغتس (الذي كان يُلقب بالكلب المقاتل). بعد صدمة الدقيقة الأولى، تحول فوغتس إلى “ظِل” يطارد يوهان كرويف في كل شبر من الملعب. نجح هذا التكتيك الحديدي في عزل كرويف تماماً، وحرمه من مساحات الركض والتوجيه، وبدا كرويف المنهك نفسياً من “مكيدة المسبح” عاجزاً عن الهروب من قبضة فوغتس الصارمة.

قبل نهاية الشوط الأول بدقيقتين (الدقيقة 43)، حدثت اللقطة التي حسمت عرش المونديال: تسلم القناص الأسطوري جيرد مولر المدفعجي” كرة عرضية داخل منطقة الجزاء، وبتحرك سريالي غريب ومباغت، دار حول نفسه وسدد كرة أرضية مخادعة زحفت إلى شباك الحارس الهولندي جونغبلود، معلنةً الهدف الثاني لألمانيا.

في الشوط الثاني، رمت هولندا بكل ثقلها الهجومي، وحاصرت الماكينات الألمانية في مناطقها، وأهدر جوني ريب ونيسكينز فرصاً محققة، لكن الجدار الدفاعي الألماني بقيادة بيكنباور وخلفه الحارس العملاق سيب ماير صمد ببسالة مستميتاً أمام الطواحين، حتى أطلق الحكم صافرة النهاية لتتوج ألمانيا الغربية بلقبها العالمي الثاني

شاهد | ملخص للمباراة النهائية لكأس العالم 1974 

قصر سوسديك يفتح أبوابه ..

على النقيض تماماً من نبرة الانكسار والحزن التي خيمت على ليل ميونخ، تحول مشهد العودة إلى العاصمة الهولندية أمستردام إلى مفارقة سريالية جديدة؛ إذ حظي المنتخب الهولندي باستقبال “الملوك غير المتوجين” في تظاهرة شعبية ورسمية غمرتها أجواء الفرح والفخر، وكأنهم عادوا بالذهب المونديالي لا بالفضة والمشاكل العائلية .

لم يتوجه اللاعبون إلى منازلهم لمواجهة بقايا عاصفة الاتصالات الزوجية، بل نُقلوا مباشرة لحضور استقبال رسمي رفيع المستوى، استقبلت ملكة هولندا آنذاك، الملكة جوليانا، الأمير برنهارد، البعثة البرتقالية بقيادة “الجنرال” رينوس ميتشيلز والقائد يوهان كرويف في قصر “سوسديك” الملكي 

ظهر اللاعبون في الصور الرسمية مع العائلة المالكة وهم يرتدون ملابس كاجوال متحررة، وبعضهم كان يمسك بكؤوس الجعة، في مشهد يعكس امتداد “جمهورية التحرر” التي عاشوها في معسكر هيلتروب إلى قلب القصر الملكي، حيث تعاملت الدولة معهم كأبطال قوميين أحدثوا ثورة بصرية غيرت نظرة العالم لهولندا.

طوفان في ساحة المتاحف ..

كاس العالم 1974
الملكة في استقبال الطواحين

خلف جدران القصر، كان هناك إعصار بشري ينتظر العباقرة في شوارع أمستردام؛ حيث احتشد مئات الآلاف من الجماهير في الساحات العامة، معت الحشود وهي ترفع الرايات البرتقالية، وتهتف باسم كرويف ونيسكينز وريب، وصعد اللاعبون إلى شرفات الفنادق والمنصات لتحية الجماهير.

كانت الرسالة الشعبية واضحة خلف هذا الصخب؛ الجماهير لم تهتم بالخسارة أمام ألمانيا الغربية، ولم تهتم بمكيدة بيلد الألمانية، بل احتفت بولادة “الكرة الشاملة” التي جعلت من بلادهم حديث كوكب الأرض طوال الصيف.

هذا الاستقبال الأسطوري الطاغي ساهم بشكل غير مباشر في إخماد النيران الدبلوماسية التي أشعلتها صحيفة “بيلد” بين اللاعبين وزوجاتهم؛ فالحب الجماهيري الجارف والالتفاف القومي حول اللاعبين جعل “مكيدة المسبح” تبدو كمعركة ثانوية تافهة أمام الإنجاز التاريخي الخالد الذي تحقق فوق العشب.

إسدال الستار عن عنصر البراءة ..

أطلقت صافرة النهاية في ليل ميونخ، ولم تكن تلك الصافرة مجرد إعلان عن تتويج الماكينات الألمانية بذهب المونديال، بل كانت إيذاناً بانتهاء ‘عصر البراءة الكروية’، هناك، فوق منصة التتويج، كان القيصر بيكنباور يرفع الكأس الغالية، بينما كان الجنرال رينوس ميتشيلز يلملم أوراقه التكتيكية في صمت، يداري به انكسار ثورة كروية ولدت من رحم مصيدة تحكيمية ضد بلجيكا، وماتت في جوف مصيدة صحفية حركت أمواجها صحيفة ‘بيلد’.

غادرت الطواحين البرتقالية أرض الملعب الأولمبي، وجفّ بلل المسبح الملعون في هيلتروب، لكن أثر تلك الليلة ظل محفوراً في وجدان كرة القدم إلى الأبد. لم يكن يوهان كرويف مجرد لاعب خسر مباراة نهائية، بل كان ‘هولندياً طائراً’ سقط من قمة التسامي البصري بعد أن ثقبت رصاصات الحبر أجنحته، وأثقلت أسلاك الهاتف الدولية خطاه التكتيكية الهندسية.

لقد علّمتنا قصة مونديال 1974 مفارقة أدبية خالدة: أن أعظم الثورات في تاريخ الساحرة المستديرة قد لا تتوج بالذهب، وأن أعتى الخطط التي يصيغها عباقرة اللعبة فوق العشب، قد تنهار تماماً إذا ما هُزّت قلاعهم النفسية واستقرارهم الإنساني خلف الستار. رحل كرويف ورفاقه دون كأس، لكنهم فازوا بالخلود في ذاكرة كرة القدم كأجمل من لعب، وأكثر من أمتع، وأكثر من دفع ثمن ‘الحرية القاتلة’ في تاريخ كأس العالم!”

أديب الرياضة .. محمد رضوان
===========

طالع أيضًا علي كورابيديا 

سلسلة حكايات كأس العالم 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here