سلسلة حكايات كأس العالم .. (10) مأساة بلفاست – مونديال 1958

0
2
زمن القراءة: 6 دقيقة
حكايات كأس العالم - مأساة بلفاست

تحت رداء الضباب الكثيف الذي غلّف العاصمة الأيرلندية بلفاست في ذلك اليوم الشتوي، 4 ديسمبر 1957، الملحمة التي سُميت في أدبيات الكرة الإيطالية بـ “مأساة بلفاست” (Tragedia di Belfast)، وفي السجلات الأيرلندية بـ “معركة بلفاست” (Battle of Belfast). إنها ليلة لم تُلعب فيها كرة قدم، بل دارت فيها حرب شوارع طاحنة امتزج فيها التعصب السياسي والديني بوحشية المستطيل الأخضر، وكانت النتيجة طرد الطليان من المونديال قبل أن يبدأ!

لم يكن أحد يتخيل أن المستطيل الأخضر لملعب “ويندسور بارك” سيتحول إلى ساحة حرب حقيقية، تُسحق فيها الروح الرياضية تحت أقدام السياسة، والتعصب الديني، والخشونة المفرطة.

الطريق إلى ستوكهولم  .. 

في أواخر عام 1957، كان المنتخب الإيطالي (الآتزوري) يضم جيلاً مرعباً من “الروكادوريس” (اللاعبين المجنسين من أمريكا الجنوبية مثل الساحران خوان ألبرتو سيكافينو، ألسيديس غيغيا)، وكان يتصدر المجموعة بفارق نقطة عن كل من أيرلندا الشمالية والبرتغال، التي أنهت مبارياتها، ويحتاج الطليان إلى نقطة واحدة فقط من مباراتهم الأخيرة أمام أيرلندا الشمالية في بلفاست لضمان التأهل إلى مونديال السويد 1958، بينما لا سبيل لأيرلندا سوى الفوز من أجل الذهاب إلى ستوكهلم .

كانت إيطاليا قد فازت في المواجهة الأولى أمام أيرلندا الشماللية في روما بهدف نظيف سجله المدافع (سيرجيو سيرفاتو) في مستهل اللقاء،

الطبيعة تحاصر المجري ..

سافرت بعثة المنتخب الإيطالي إلى العاصمة الأيرلندية بلفاست، وهي تشعر بفوقية كروية واضحة، لخوض المباراة المقررة في 4 ديسمبر 1957 على ملعب “ويندسور بارك”، لكن الطبيعة قررت التدخل مبكراً، حيث ضربت القارة العجوز عاصفة من الضباب الكثيف أدت إلى شلل تام في حركة الطيران.

كان الحكم الدولي المجري إستفان جولت معينًا للمباراة المصيرية، وكان يعمل مديرًا لدار أوبرا بودابست، ولمّا لم تكن هناك رحلات طيران مباشرة منتظمة ومباشرة بين العواصم الشرقية خلف “الستار الحديدي” (مثل بودابست في المجر) والمدن البريطانية الإقليمية مثل بلفاست

كان المسار الجوي الإلزامي لأي مسافر قادم من وسط أو شرق أوروبا متجهاً إلى أيرلندا الشمالية يقتضي بالضرورة الهبوط أولاً في مطار لندن (مطار هيثرو حالياً)كمنطقة عبور وترانزيت، ومن ثم استقلال طائرة داخلية صغيرة تابعة للخطوط البريطانية متجهة إلى مطار بلفاست.

لكن الضباب الكثيف الذي غلف القارة العجوز آنذاك، تسبب في محاصرة طاقم التحكيم في مطار لندن، وتقطعت بهم السُبُل إلى لندن، ولم يتمكنوا من الوصول إلى بلفاست !

الاقتراح الكارثي ..

بسبب غياب الحكام الرسميّين، رتب الأمين العام للاتحاد الأيرلندي بيلي درينانسفر الحكم الإنجليزي آرثر إليسكبديل احتياطي في حال لم تتغير ظروف إستفان جولت.

رفض رئيس اتحاد الكرة الإيطالي أوتورينو باراسيتغيير الحكم، وفضّل تأجيل الأمر إلى اليوم التالي،حتى تتضح الرؤية بالنسبة للمجري جولت.

في صبيحة يوم المباراة، لم يطرأ أي جديد بالنسبة للطاقم المجري، ولما كان من المستحيل إلغاء المباراة، وبعد أن تم بيع 53 ألف تذكرة، اضطر المسؤولون إلى عقد جلسة مغلقة في فندق أولد ميدلاند، بعد أن كان الأيرلنديون يرتعدون خوفاً من حدوث شغب جماهيري كارثي إذا تم إلغاء المباراة بعد أن دفع الجمهور ثمن التذاكر.

تم التوصل إلى حل وسط يقضي بتحويل المباراة من مباراة ضمن منافسات كأس العالم إلى مباراة ودية ، (وهو ما يخالف لوائح الفيفا الصارمة للمباريات المؤهلة)، وتقرر تحديد موعد أخر لمباراة تصفيات المونديال في شهر يناير، وقد وقّع على الوثيقة كل من رئيس الاتحاد الإيطالي باراسي، ورئيس الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم جوزيف ماكبرايد، وعمدة بلفاست السير سيسيل ماكي.

الاحتيال على الجمهور .. 

حين بلغت الساعة الثانية ظهراً ، كان ملعب ويندسور بارك قد غص بأكثر من 53 ألف مشجع أيرلندي ثائر، شحنهم الإعلام المحلي لأسابيع ضد “الطليان الكاثوليك،

اقترح الاتحاد الأيرلندي حكم محلي اسمه (توماس ميتشل) لإدارة المباراة، ووافق الطليان مرغمين لتهدئة الجماهير الثائرة، وأعلن المذيع الداخلي للملعب أن المباراة تحولت إلى “ودية”، وهو ما أثار غضب الجماهير الأيرلندية التي شعرت بأنها تعرضت لعملية احتيال.

المقصلة الأيرلندية .. 

حكايات كأس العالم .. مأساة بلفاست
مأساة بلفاست

مع إطلاق الحكم المحلي توماس ميتشل صافرة البداية، بدا واضحاً أن لاعبي أيرلندا الشمالية لن يعاملوا اللقاء كودية أبداً، وحولوا الملعب إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية والرياضية، حيثي لعبوا بخشونة مفرطة وبدنية مرعبة، ولم يقصر لاعبو إيطاليا في الرد بالمثل، فتحول العشب الأخضر إلى حلبة مصارعة حرّة.

استخدم لاعبو أيرلندا الشمالية اندفاعاً بدنياً وحشياً، كان الجناح الطائر لإيطاليا برونو بوشييُستهدف بشكل متعمد، وفي الدقائق الأولى تلقى ركلة وحشية في كاحله من المدافع الأيرلندي أليكس إلدر، سقط على إثرها ولم يستطع إكمال المباراة بشكل طبيعي (ولم يكن قانون التبديلات قد أُقر بعد)، فأكملت إيطاليا المباراة بعشرة لاعبين فعلياً.

مع تزايد التدخلات العنيفة، وخروج المباراة عن السيطرة تماماً، بدأت الجماهير الأيرلندية المتطرفة تهتف بشعارات معادية للطليان وللكنيسة الكاثوليكية، وتطور الأمر إلى رشق دكة بدلاء إيطاليا بالزجاجات والحجارة.

  • ارتفعت حدة التوتر حين سجلت أيرلندا الشمالية هدفين، لتعود إيطاليا وتسجل التعادل 2-2 بفضل فدائية غيدو وسيكافينو، هذا التعادل جنن الجماهير التي بدأت تطلق الهتافات الطائفية والسياسية ضد الفاتيكان والكاثوليك، وبدأت القوارير والحجارة تتساقط كالمطر على دكة بدلاء إيطاليا والمدرب ألفريدو فوني.

حصار غرف الملابس ..

حكايات كأس العالم - مأساة بلفاست
لاعبو إيطاليا يفرون إلى غرف الملابس

انتهت المباراة الودية العنيفة بالتعادل (2-2)، لكن مع صافرة النهاية، انفجر البركان، واقتحم آلاف المشجعين المخمورين والغاضبين أرض الملعب، كانت الجماهير الأيرلندية غاضبة بشدة، ونزلت أرض الملعب بنية الفتك باللاعبين الإيطاليين، واضطر لاعبو إيطاليا للركض بجنون نحو غرف الملابس لحماية أرواحهم، بينما تصدى لهم بعض المشجعين بالضرب واللكم.

مع صافرة النهاية، اقتحم آلاف المشجعين المخمورين والغاضبين أرض الملعب. لم يكن هدفهم الاحتفال، بل الفتك بلاعبي إيطاليا الذين اعتبروهم “ممثلين ومخادعين”.

حُوصر المنتخب الإيطالي داخل غرف الملابس لأكثر من ثلاث ساعات، بينما الشرطة الأيرلندية بالخارج تحاول تأمين مخرج آمن لهم، حتى تم تهريبهم في سيارات شرطة مصفحة إلى الفندق ومن ثم مباشرة إلى المطار.

استخدمت شرطة بلفاست الخيالة التي اضطرت لاستخدام الخيول داخل مضمار الملعب لتفريق الجماهير.

بطل غير متوقع ..

حكايات كأس العالم .. مأساة بلفاست
سكيافينو في أحضان المنقذ بلانشفاور

هنا تجسدت الدراما الإنسانية، ركض لاعبو إيطاليا كالفئران المذعورة نحو الممر المؤدي لغرف الملابس، وفي اللحظة التي أوشكت فيها الجماهير على محاصرة النجم خوان سيكافينو وضربه، وقف قائد أيرلندا الشمالية ومدافع توتنهام الأسطوري داني بلانشفلاور كالسد المنيع.

أمر بلانشفاور زملائه في الفريق بتشكيل درع بشري حول لاعبي إيطاليا، وبدأ يدفع المشجعين بيديه ويصرخ فيهم:

” تراجعوا! إنهم ضيوفنا! “

ولولا هذه الوقفة الرجولية لبلانشفلاور وبعض رجال الشرطة الأيرلندية الذين استخدموا الهراوات لتفريق الجموع، لحدثت مجزرة حقيقية على عشب بلفاست.

كان بعض زملاء بلانشفاور في المنتخب الأيرلندي يجارون عنف الجماهير ويدخلون بخشونة مفرطة على أقدام الطليان، كان هو يلعب ببرود أعصاب ونبل شديد، محاولاً تهدئة الأوضاع بشتى الطرق وتوجيه زملائه للتركيز على كرة القدم فقط.

شاهد | أيرلندا الشمالية وإيطاليا – ديسمبر 1957 

الفاتورة القاسية ..

بعد تلك الملحمة الدموية بشهر واحد، وتحديداً في 15 يناير 1958، عاد المنتخب الإيطالي إلى بلفاست لخوض المباراة الرسمية المؤهلة (تحت إدارة طاقم تحكيم دولي هذه المرة).

لكن الندوب النفسية لـ “معركة بلفاست” كانت قد فعلت فعلتها في قلوب الطليان، حيث لعبوا بخوف وتوتر شديدين، لكن الأجواء النفسية كانت مدمرة تماماً، إذ دخل لاعبو إيطاليا الملعب بقلوب واجفة وأقدام ترتعش خوفاً من تكرار أحداث ديسمبر، لذلك تلقت شباكهم هدفين في أول نصف ساعة من المباراة، ولم يشفع لهم الهدف الذي سجلوه في الشوط الثاني، لتفوز أيرلندا الشمالية بنتيجة 2-1 وتتأهل إلى المونديال،

حكايات كاس العالم - مأساة بلفاست
الخيالة الأيرلندية تحمي لاعبي إيطاليا

سجل التاريخ في تلك الليلة أكبر صدمة في تاريخ الكرة الإيطالية، حيث كانت تلك المرة الأولى التي تفشل فيها إيطاليا في التأهل للمونديال عبر التصفيات (بعد أن غابت عن مونديال 1930 برغبتها)

الفارس الذي أنقذ كبرياء الكرة ..

موقف داني بلانشفلاور لم يمر مرور الكرام، فالصحافة الإيطالية التي شنت هجوماً عنيفاً ومستحقاً على معاملة بلفاست الهمجية لبعثتهم، أفردت صفحات كاملة للإشادة بهذا القائد الإنجليزي النبيل.

وُصف بلانشفلاور في روما وميلانو بـ “الفارس الذي أنقذ كبرياء كرة القدم”، وظل طوال مسيرته يحظى باحترام وتبجيل هائلين من الإيطاليين، الذين رأوا فيه الوجه المضيء الوحيد في تلك الليلة المظلمة.

ولكي تدرك عزيز القاريء مدى صلابة كبرياء هذا الرجل ونبله، فإن داني بلانشفلاور هو اللاعب الوحيد في تاريخ بريطانيا الذي رفض الحصول على وسام الإمبراطورية البريطانية (OBE) من الملكة!

الجيش الأخضر والأبيض في المونديال ..

بقيادة المدرب الفذ بيتر دوهيرتي والمايسترو الأخلاقي داني بلانشفلاور، لم يذهب الأيرلنديون إلى السويد لمجرد التمثيل المشرف، بل سطروا ملحمة كروية مثيرة تجسد كفاحهم المرير

أوقعت القرعة أيرلندا الشمالية في مجموعة حديدية تضم ألمانيا الغربية (حامل اللقب) ، تشيكوسلوفاكيا (العملاق الأوروبي القوي) ، الأرجنتين (بطل أمريكا الجنوبية)

لكن الأيرلنديين استعانوا بنفس الروح القتالية الشرسة التي واجهوا بها إيطاليا، وصدموا الجميع في مباراتهم الأولى بالفوز على تشيكوسلوفاكيا بهدف نظيف سجله المهاجم ويلبور كاش ، ثم خسروا أمام الأرجنتين (1-3)، لكنهم انتزعوا تعادلاً ملحمياً وصعباً من حامل اللقب ألمانيا الغربية بنتيجة (2-2).

تساوت أيرلندا الشمالية مع تشيكوسلوفاكيا في النقاط، ووفقاً للوائح البطولة آنذاك، كان عليهم خوض مباراة فاصلة ملحقة (Play-off) بعد 48 ساعة فقط من مباراتهم المرهقة ضد ألمانيا لتحديد المتأهل للدور ربع النهائي.

في تلك المباراة الفاصلة، وتحت وطأة الإرهاق البدني الرهيب وإصابة عدد من نجومهم، تخلفت أيرلندا بهدف، لكنهم عادوا من بعيد بفضل ثنائية هدافهم الأسطوري بيتر مكبارلاند ليفوزوا (2-1) بعد التمديد لوقت إضافي، في ليلة وصفتها الصحافة العالمية بـ “الانتصار التاريخي للإرادة البشرية”.

النهاية الحزينة ..

تأهلت أيرلندا الشمالية إلى الدور ربع النهائي (ضمن أفضل 8 منتخبات في العالم)، وهو إنجاز يفوق بكثير حجم بلد صغير يشارك لأول مرة.

لكن المغامرة انتهت هناك؛ حيث واجهوا المنتخب الفرنسي المرعب بقيادة الهداف التاريخي الذي لا يرحم جاست فونتين (صاحب الرقم القياسي بـ 13 هدفاً في نسخة واحدة). كان المخزون البدني للأيرلنديين قد نفد تماماً بعد خوضهم 4 مباريات طاحنة في غضون 11 يوماً فقط مع السفر والتمديد، فخسروا أمام فرنسا بنتيجة (4-0) وودعوا البطولة برؤوس مرفوعة تصاحبها تصفيق واحترام الجماهير السويدية والعالمية

إنجاز تاريخي ..

ظلت أيرلندا الشمالية لسنوات طويلة أصغر دولة من حيث المساحة والسكان تصل إلى ربع نهائي كأس العالم (قبل أن تكسر كرواتيا ثم آيسلندا هذا الرقم لاحقاً).

تم اختيار القائد النبيل داني بلانشفلاور ضمن “فريق كل النجوم” (All-Star Team) للبطولة كأحد أفضل لاعبي خط الوسط في المونديال، تكريماً لمستواه الفني الراقي وقيادته الملهمة.

أديب الرياضة ..
محمد رضوان
===========

طالع أيضًا علي كورابيديا 

سلسلة حكايات كأس العالم 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here