سلسلة حكايات كأس العالم .. (11) الفراشة القرمزية – مونديال 1966

0
4
الفراشة القرمزية
زمن القراءة: 8 دقيقة

سلسلة حكايات كأس العالم
(11) الفراشة القرمزية – مونديال 1966

وُلدت الأوبرا في إيطاليا أواخر القرن السادس عشر، وسرعان ما انتشرت في معظم أنحاء أوروبا، لتصبح فنًا خالدًا يحتل مكانةً بارزةً في الثقافة المعاصرة، ثلاثة من أشهر أعمالها من إبداع الموسيقار جياكومو بوتشيني، الذي قدّم ثلاثية مدام باترفلاي، وتوسكا، ولا بوهيم، التي نقلت المأساة إلى خشبة المسرح وكشفت عنها أمام جمهورها المفتون

عندما نقل جياكومو بوتشيني المأساة إلى خشبة المسرح في “لا بوهيم” (La Bohème)، كان يحتفي بالحياة البوهيمية—حياة الفنانين الفقراء المتمردين على تقاليد المجتمع الجافة، والذين يعيشون من أجل الفن والحرية والحب، تماماً كما عاش لويجي ميروني في شقته بتورينو بين لوحاته السريالية وشعره الطويل، رافضاً قيود العصر. وكما تنتهي “لا بوهيم” بنهاية مأساوية صادمة تسرق الحياة من قلب البراءة، سقط ميروني في منعرج الطريق لينهي فصلاً بوهيمياً لم يكتمل.

كارثة سوبرغا ..

كأس العالم 1966

كارثة سوبرغا – مايو 1949

لم تقتصر المآسي على دور الأوبرا، بل طالت ملاعب الساحرة المستديرة، فقد عانت العديد من أندية كرة القدم على مر السنين من الحزن، ولكن لم يكن هناك نادٍ أكثر حزنًا من تورينو، النادي الذي كان يُلقب في أربعينيات القرن الماضي بلقب “غراندي تورينو” (Grande Torino)، كان أقوى فريق في العالم، والبلسم الذي داوى جراح الشعب الإيطالي الخارج من مآسي الحرب العالمية الثانية.

بلغت عظمتهم التكتيكية الفذة حدّ أن منتخب إيطالياخاض مباراة دولية أمام المجر عام 1947 بتشكيلة ضمت عشرة لاعبين من نادي تورينو دفعة واحدة، ولم يكن الغريب بينهم سوى حارس مرمى يوفنتوس، وكان يقود هذه الأوركسترا الأسطورية القائد العظيم فالنتينو ماتزولا (والد الأسطورة ساندرو ماتزولا).

في مايو 1949، سافر الفريق إلى لشبونة لخوض مباراة ودية تكريمية لقائد نادي بنفيكا “فرانشيسكو فيريرا“، وأثناء رحلة العودة إلى الديار على متن طائرة من طراز “فيات G.212″، اقتربت الطائرة من أجواء تورينو وسط عاصفة رعدية هوجاء، وضباب كثيف حجب الرؤية تماماً .

في تمام الساعة 17:05، ومستسلمةً للعمى التام، اصطدمت الطائرة مباشرة بالحافة الخلفية لـ كنيسة سوبرغا التي تتوج التل، وتفتت هيكل الطائرة تماماً، ومات في الحال جميع ركابها الـ 31 ، 18 لاعب من صفوة العباقرة، والجهاز الفني، والإداريون، و3 من كبار الصحفيين الرياضيين.

ظهور الفراشة .. 

انتهى عهد أعظم فريق في تاريخ كرة القدم الإيطالية، لكن الأمل عاد بعد نحو 15 عامًا في صورة لويجي ميروني، كان “جيجي” بمثابة منارة ساطعة في حقبة مظلمة من تاريخ الكالتشيو، حيث انتشل ناديه بمفرده تقريبًا من براثن الخسارة، لينضم في النهاية إلى قائمة العظماء الذين رحلوا مبكرًا جدًا.

وُلد ميروني في منتجع كومو بمنطقة لومبارديا، شمال إيطاليا، في 24 فبراير 1943. كان الابن الثاني لإميليو وروزا، وتولت والدته تربيته في الغالب بعد وفاة والده عندما كان في الثانية من عمره. في ذلك الوقت، كانت إيطاليا تعاني من التقشف، وتواجه البلاد مستقبلًا مجهولًا بعد الدمار والهزيمة التي خلفتها الحرب العالمية الثانية. 

بحلول عام 1961، لفت ميروني أنظار نادي كومو المحلي، أحد أندية الدرجة الثانية الإيطالية. تألق بجسده الطويل على الجناح الأيمن، حيث كانت الكرة تلتصق بقدمه وهو يراوغ المدافعين بمهارة. شهد موسمه الأول في دوري الدرجة الثانية الإيطالي أداءً ثابتاً، حيث شارك في 26 مباراة وسجل ثلاثة أهداف، ليُنهي ناديه المحلي الموسم في المركز الرابع عشر، وهو مركز مُشرّف.

تقاليع غريبة .. 

لم يقتصر اهتمام الإعلام الإيطالي بميروني على أرض الملعب مع ناديه كومو، بل بدأ الاهتمام خارج الملعب، فقد كان جيجي يثير غضب الصحافة، ويمثل ظاهرة فريدة آنذاك، بعد أن لاحظت وسائل الإعلام الإيطالية أن ميروني ذو اللحية كان يحمل شيئًا من روح جيل فريق البيتلز، ويحيا حسب معاييرهم، هؤلاء الذين يتباهون بتسريحات شعرهم المميزة أمام جماهيرهم الصاخبة حول العالم. 

كان لويجي ميروني ذو شعر طويل كثيف، ولحية غير مهذبة، وجوارب منسدلة، وكان يرسم لوحات سريالية في منزله، ويمشي في الشوارع ساحباً دجاجة بحبل وكأنها كلب أليف! ، وعلى أرض الملعب، كان يملك مهارة مرعبة في المراوغة تذكر بالجناح البرازيلي غارينشيا.

هذه “التقاليع” الغريبة جعلته محبوباً من الجماهير، لكنها جعلته منبوذاً من الإعلام الإيطالي المحافظ ومن مسؤولي الاتحاد الذين كانوا يرون فيه نموذجاً سيئاً للشاب الإيطالي.

وكان ميروني يرفض التخلي عن تقاليعه، التي كانت غريبة عن المجتمع الإيطالي، وهو الأمر الذي أثار استياء الصحافة، ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي واجه فيها جدلاً، فقد كشف تطبيق اختبارات الكشف العشوائية عن تعاطي المخدرات في الدوري الإيطالي عن وجود ثلاثة لاعبين ثبت تعاطيهم للأمفيتامينات، وتم استدعاء ميروني  للكشف أيضاً، لكنه كان يدّعي في كل مرة أنه نسي موعد الكشف، مما أدى إلى إيقافه خمس مباريات.

الانتقال إلى تورينو .. 

على الرغم من ذلك، تحسّن أداؤه على أرض الملعب مباراةً تلو الأخرى، لدرجة أنه سرعان ما انتقل ميروني مجددًا، هذه المرة إلى تورينو حيث وصل المدرب نيريو روكو ، بعد أن قاد ميلان للفوز بكأس أوروبا. كان المدرب الصارم حريصًا على إعادة النجاح إلى تورينو ، الذي كان قد تراجع مستواه بشكل غير مفاجئ بعد كارثة سوبرغا وانهيار الفريق الذي فاز بخمسة ألقاب سكوديتو في سبع سنوات

أظهر تورينو أفضل ما لدى ميروني، حيث استمتع جمهور ملعب ستاديو كومونالي بمراوغاته المذهلة التي كانت تخترق دفاعات الخصوم. سرعته الخاطفة، إلى جانب تسديدته المتقنة التي أصبحت علامة مميزة له، كانت غالباً ما تفاجئ حراس المرمى. وبفضل تألق ميروني، أنهى تورينو الموسم في المركز الثالث.

تكهنات صحفية .. 

أحبه جمهور تيفوزي بشدة، وأطلقوا عليه لقب الفراشة القرمزية (La Farfalla Granata )، بينما كان بعض المشجعين القدامى يُطلقون عليه اسم كاليميرو (Calimero) نسبةً إلى دجاجة كرتونية كانت ترتدي قشرة بيضة مكسورة على رأسها. وسلطت الصحافة الإيطالية الضوء مجددًا على ذوقه الشخصي في الأزياء، متسائلةً عما إذا كانت لحيته تُشير إلى صلات بالشيوعية، استنادًا فقط إلى حقيقة أن ثوارًا مثل تشي جيفارا وفيدل كاسترو كانوا يتمتعون بلحى كثيفة.

استمتع ميروني باهتمام الصحافة، ولم يكن هناك ما يُسعده أكثر من تجسيد الشخصية التي يُظهرها. في إحدى المرات، قام مع زميله فابريزيو بوليتي باصطحاب دجاجة مربوطة بحبل في ساحة المدينة، وحاولا إلباسها سروال سباحة. استمتع ميروني بوقته في تورينو، حيث كانت شقته مزينة بلوحات من إبداعه. ومع اقتراب الحديث عن استدعائه للمنتخب الوطني، حاول ميروني إبعاد الصحافة عنه بادعاء أن عشيقته أوديرشتات هي أخته.

عرض السيدة العجوز .. 

بلغت شعبية ميروني ذروتها بين جماهير تورينو عندما واجه قيود إنتر ميلان بقيادة هيريرا. سقطت الكرة عند قدمي ميروني، وبينما كان جياشينتو فاكيتي يطارده بشراسة، رفعها فوق رأسه قبل أن يسددها بقوة في شباك جوليانو سارتي حارس مرمى النيراتزوري . لم تمر هذه المهارة والقدرة مرور الكرام، وسرعان ما انتشرت التكهنات حول انتقال ميروني من قميص تورينو الأحمر إلى قميص يوفنتوس المخطط.

كان عرض يوفنتوس الضخم، البالغ 750 مليون ليرة إيطالية، عرضًا لا يمكن لرئيس تورينو، أورفيرو بيانيلي، رفضه. لكن ما لم يتوقعه أي من الناديين هو ردة فعل جماهير تورينو. كان يوفنتوس مدعومًا بالنفوذ المالي لعائلة بيانيلي، التي تمتلك شركة فيات للسيارات حيث يعمل مئات من مشجعي تورينو.

عندما انتشر خبر الصفقة الوشيكة، أعلنوا جميعًا أنهم سيضربون عن العمل إذا تمت الموافقة على أي صفقة لنجمهم. وكانت الاحتجاجات الإضافية أمام منازل مالكي الناديين بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وتم إلغاء الصفقة. تجاهل ميروني كل هذه الضجة، ومع ذلك تمكن من الظهور على غلاف صحيفة لا ستامبا بعد أن حلق لحيته.

مع الأتزوري ..

كأس العالم 1966

الفراشة القرمزية

 

أثار فالنتينو مازولا  غضب جماهير فريق والده برفضه الانضمام إلى إنتر ميلان، وتعرض لصيحات الاستهجان من جماهير تورينو خلال مباراة ودية ضد الأرجنتين، ليحل محله ميروني في الشوط الثاني، وسط فرحة عارمة من الجماهير، وهو ما انعكس على النجم الجديد، فسجل أول أهدافه بقميص الأتزوري.

بفضل ذلك الأداء، تم اختيار ميروني ضمن تشكيلة المنتخب الإيطالي لكأس العالم 1966، حيث وُضعت إيطاليا في مجموعة ضمت تشيلي والاتحاد السوفيتي وكوريا الشمالية، وكان المدرب الإيطالي الصارم إدموندو فابري يعلم أن ميروني هو الورقة الهجومية الأكثر مهارة في إيطاليا، لكنه كان يخشى مظهره غير المألوف.

طلب فابري من ميروني صراحةً أن يقص شعره الطويل ويلتحي بطريقة كلاسيكية كشرط أساسي لركوب الطائرة المتجهة إلى إنجلترا، حرصاً على “انضباط البعثة”.

لكن الراشة القرمزية رفض طلب المدرب في البداية معتبراً أن كرامته وفرديته أهم من أي بطولة، لكن تحت ضغط إدارة نادي تورينو وضغوط عائلية، وافق على تقصير شعره قليلاً كحل وسط، وتم استدعاؤه للتشكيلة الرسمية وسط أجواء مشحونة بالتربص.

خسارة إيطاليا .. 

كانت إيطاليا قد فازت في مباراتها الافتتاحية على تشيلي 2-0، ولم يُشارك لويجي ميروني، لكن إدموندو فابري قرر إقحام الفراشة لويجي ميروني أساسياً لأول مرة كصانع ألعاب وجناح أيمن لفك الشفرة الدفاعية السوفيتية.

في الدقيقة 57 من الشوط الثاني، ومن هجمة تكتيكية سريعة ومنظمة، أطلق المهاجم السوفيتي الفذ إيغور تشيسلينكو قذيفة صاروخية لا تصد ولا ترد سكنت شباك الحارس الإيطالي إنريكو ألبرتوسي .

كبش الفداء .. 

عندما بدأت البطولة في إنجلترا، ظهر جلياً أن هناك تياراً داخل الجهاز الفني لا يريد لميروني أن يسرق الأضواء، أو يُثبت أن “المتمردين” يمكنهم النجاح، لذلك عندما شارك في المباراة الثانية أمام الاتحاد السوفييتي، حمله فابري جزءاً من المسؤولية بحجة عدم التزامه بالواجبات الدفاعية الصارمة، رغم أنه قدم لمحات مهارية جيدة .

وبدلاً من انتقاد المنظومة التكتيكية الدفاعية، صبّ المدرب فابري والصحافة الإيطالية المحافظة جام غضبهم على لويجي ميروني اتهموه بالرعونة، وعدم الالتزام بالواجبات الدفاعية، وأنه لاعب استعراضي لا يصلح للمعارك الكبرى.

اتخذ فابري قراراً عقابياً صارماً خلف الكواليس بإبعاد ميروني نهائياً عن التشكيلة في المباراة التالية والحاسمة ضد كوريا الشمالية، مضحياً بورقته المهارية الأبرز من أجل “الانضباط التكتيكي الجاف”.

ليلة الصدمة ..

كأس العالم 1966

جورج بست الإيطاليكان أداء ميروني يشبه كثيرًا أسطورة مانشستر يونايتيد الأيرلندي الشمالي جورج بست، حتى أن البعض أطلق عليه لقب (جورج بست الإيطالي)، لذلك فقد رأى المؤرخون الرياضيون أن عدم إشراك ميروني ضد كوريا الشمالية كان انتحاراً فنياً من فابري، فقد جزمت الصحافة الإيطالية حينها بأن السبب هو عناد ميروني ورفضه الانصياع لأوامر المدرب، ومنها قصة الشعر، بينما ادعى فابري لاحقاً أن السبب كان تكتيكياً لأن ميروني لا يلتزم بالواجبات الدفاعية.

في المباراة الحاسمة والأكثر شؤماً في تاريخ إيطاليا ضد منتخب كوريا الشمالية المغمور، قرر المدرب فابري الإبقاء على لويجي ميروني على مقاعد البدلاء، مفضلاً عليه لاعبين أكثر انضباطاً وتطبيقاً للتكتيك الدفاعي الجاف.

تابع ميروني من دكة البدلاء بعينين حزينتين سقوط بلاده التاريخي بنتيجة 1 / 0  على يد المهاجم الكوري  “باك دو إيك“، وهي المباراة التي شهدت طرد البعثة الإيطالية من المونديال، ورشقهم بالجماهير بالطماطم الفاسدة عند عودتهم لمطار جنوى. وسخرت الصحافة لاحقاً قائلة:

” لقد قَصَّ فابري أجنحة الفراشة، فسقط الآزوري في بئر العار “

النهاية الفاجعة .. 

لم تمنح الأقدار لويجي ميروني فرصة التعويض في مونديال 1970؛ فبعد عام واحد فقط من مونديال إنجلترا، وتحديداً في أكتوبر 1967، وبينما كان يعبر شارع “كورزو ري أومبرتو” في تورينو بعد مباراة فاز فيها فريقه، صدمته سيارة مسرعة ليفارق الحياة وهو في سن 24 فقط، في صدمة بكتها إيطاليا بأكملها.

بعد فوز فريقه تورينو على سامبدوريا 4-2، توجه ميروني مبتهجًا إلى تورينو للاحتفال مع زميله وصديقه بوليتي، كان اللاعبان في حالة معنوية عالية وهما يتجهان إلى بار زامبون في شارع كورسو ري أومبرتو المزدحم. ورغم إضاءة الطريق الخافتة، قرر الثنائي عبور حارتي المرور بسرعة، حيث فاجأته سيارة مسرعة. فاضطر إلى التراجع إلى الخلف، حيث كانت سيارة فيات قادمة، فصدمت الفراشة القرمزية.

أُصيب بوليتي أيضًا، لكنه لم يتعرض لإصابات خطيرة. أما ميروني، فقد عانى من إصابات سحق في صدره، بالإضافة إلى إصابات بالغة في ساقيه وحوضه ورأسه. هرع المارة إلى مكان الحادث بينما دوّت صفارات سيارات الإسعاف في أرجاء المدينة. وعلى الرغم من التقارير الأولية التي أشارت إلى نجاته، أُعلن عن وفاة ميروني في تمام الساعة 10:50 مساءً. عادت المأساة إلى تورينو

الرئيس القاتل العاشق .. 

الشاب الذي كان يقود السيارة وصدم ميروني كان مشجعاً متعصباً لنادي تورينو، وكان يعلق صورة لويجي ميروني في غرفته ويعتبره مثله الأعلى! هذا الشاب يُدعى أتيليو روميرو

لأن الحادث كان قضاءً وقدراً وخطأً غير متعمد تحت ظروف الرؤية السيئة والعبور الخاطئ، لم يسجن القضاء الإيطالي الشاب أتيليو ، وتم تبرئته قانونياً بعد تحقيقات معقدة، لكنه حُكم عليه بسجن نفسي مؤبد؛ إذ عاش عقوداً من الزمن يحمل ثقل هذه الحادثة تلاحقه نظرات جماهير تورينو وصور ميروني في كل مكان.

دارت عجلة الزمن لأكثر من ثلاثة عقود، وتحديداً في عام 2000، عندما اشترت مجموعة استثمارية بقيادة رجل الأعمال “فرانشيسكو سيمينيلو” نادي تورينو المتعثر مالياً والذي كان يمر بأزمات خانقة.

هنا حدثت المفاجأة التاريخية الأغرب في عالم كرة القدم: تم تعيين أتيليو روميرو رئيساً رسمياً لنادي تورينو!

حزنٌ ونعيٌ .. 

كتب عميد الصحافة الرياضية الإيطالية جياني بريرا (Gianni Brera) عن وفاة لويجي ميروني :

“كان ميروني مزيجاً نادراً من الفن والارتجال. كان يعيد صياغة مفهوم كرة القدم على الأجنحة بريشة رسام لا بأقدام لاعب. قتله للأسف مجتمعٌ لم يفهم أن عبقريته كانت تحتاج إلى فضاء حر لتطير، وليس إلى مقص لتقليم أجنحته”. 

وكتبت صحيفة “لا غازيتا ديلو سبورت” (La Gazzetta dello Sport):

“لقد فضل المدرب فابري الانضباط الجاف على السحر الخالص. عاقب ميروني لأنه يملك شعراً طويلاً، فعاقبته كرة القدم بخروج هو الأذل في تاريخنا. لقد حُرمت إيطاليا من جناحها الفذ لترضي عقولاً تخاف من الحرية”.

وقالت مجلة “إيل غويرين سبورتيفو” (Guerin Sportivo) :

“لويجي ميروني لم يكن مجرد لاعب لنادي تورينو، كان رمزاً لجيل إيطالي كامل يريد الفكاك من قيود الماضي. لقد كان جيمس دين الكرة الإيطالية.. رحل شاباً ليبقى جميلاً وخالداً في الذاكرة”.

وعن رأي أسطورة إنتر ميلان ساندرو ماتزولا (Sandro Mazzola) :

“اللعب بجوار جيجي كان أمراً ممتعاً ومربكاً في آن واحد. عندما كانت الكرة بين قدميه، لم يكن أحد منا، ولا حتى المدافعين، يعرف ماذا سيفعل في الخطوة التالية. في التدريبات قبل مونديال 66، كان يراوغنا ببرود شديد ويضحك. لقد ظُلم كثيراً في تلك البطولة، ولو فُك أسره التكتيكي لتغير وجه إيطاليا في إنجلترا”.

أما مخترع الكاتناتشيو والمدرب الأسطوري لميلان وتورينو نيريو روكو (Nereo Rocco)  فكان يذوب عشقاً في مهارة ميروني، وقال عنه يوماً:

“أعطني إحدى عشر لاعباً بانضباط الحديد، وامنحني جيجي ميروني في الأمام ليفعل ما يشاء، وسأكتسح العالم. إنه نوع من اللاعبين الذين لا يمكنك تلقينهم التكتيك، بل تدعهم يلهمونك به”.

وأخيرًا، عندما سُئل جورج بست (George Best) – أسطورة مانشستر يونايتد وإيرلندا الشمالية عن اللاعبين الذين يرى فيهم شبهاً من أسلوبه البوهيمي الحر ومهارته الفائقة في أوروبا، قال:

“في إيطاليا، هناك فتى يرتدي قميص تورينو ، يملك شعراً كشعري ويلعب كرة قدم تشبه الموسيقى. إنه الوحيد في ذلك البلد الدفاعي الذي يملك جرأة الارتجال مثلي”.

أديب الرياضة ..
محمد رضوان
===========

طالع أيضًا علي كورابيديا 

سلسلة حكايات كأس العالم 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here