سلسلة حكايات كأس العالم .. (15) اللعب فوق حد الموسى “العشرية الهنغارية” – مونديال 1982

0
7
حكايات كأس العالم
زمن القراءة: 8 دقيقة

سلسلة حكايات كأس العالم
(15) اللعب فوق حد الموسى “العشرية الهنغارية” – مونديال 1982

“حكاية أكبر فوز في تاريخ المونديال”

كأس العالم 1982

التاريخ لا يظلم، وأوراق التاريخ حاضنة لأحداثه، أما كُتاب التاريخ فليس لهم إلا الأمانة والصدق، لكن التاريخ الجاف الصلب يقتل جزء من الحقيقة عن غير قصد، وهذه إحدى المباريات التي يعدها التاريخ من الفرائد، ويتغافل تمامًا عما حولها، من حكاية وطنٍ جريح كان يئن تحت قصف حربٍ أهلية طاحنة.

التاريخ لا يذكر أن هؤلاء ركضوا في الميدان بقمصانٍ لم يجدوا غيرها، وتمرنوا بكراتٍ استعاروها من الخصوم، وناموا في نُزلٍ ريفي معزول، بعد رحلة سفرٍ ماراثونية أكلت من أجسادهم.

صعد هؤلاء إلى منصة المونديال من رحم الجحيم، ليعزفوا نشيد بلادهم ويموتوا بوقار الفرسان داخل المستطيل الأخضر، وهنا يكمن البيان، فالرقم قد يكتب خطيئة النتيجة، لكن حبر الأمانة والصدق يبعث الروح في جسد الوقائع، ليبرهن على أن مجرد وصول السلفادور وعزف نشيدها وسط تلك الظروف، كان انتصاراً تاريخياً بليغاً يأبى أن تبتلعه قسوة الأرقام . 

كابوس الحرب الأهلية .. 

بدأت الحرب الأهلية في السلفادور رسمياً في أكتوبر 1979، إثر انقلاب عسكري تلته موجة عارمة من القمع وقتل المتظاهرين، وانزلقت البلاد إلى صراع مسلح عنيف ومستمر لمدة 12 عاماً وثلاثة أشهر (حتى يناير 1992).

انقسم الصراع في السلفادور إلى معسكرين رئيسيين، القوات المسلحة وتضم الجيش، والحرس الوطني والشرطة الوطنية، وشرطة الخزانة، مدعومة بما يعرف بفرق الموت شبه العسكرية اليمينية وهي مجموعات مسلحة غير نظامية، غالباً ما كانت مدعومة خفية من الجيش والمخابرات، ونفذت معظم المجازر والفظائع ضد المدنيين، والنقابيين، والكهنة، والمعارضين السياسيين، كانت الولايات المتحدة تقف ظهيرًا داعمًا لهذا المعسكر .

أما المعسكر الثاني فهو مكون من الجبهة الديمقراطية الثورية وجبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني، وهي ائتلاف من خمس منظمات مسلحة يسارية ماركسية-لينينية، القوات الشعبية للتحرير، الجيش الثوري الشعبي، القوات المسلحة للمقاومة الوطنية، جزب العمال الثوري، الحزب الشيوعي، وهذا المعسكر مدعوم من كوبا والاتحاد السوفييتي.

مقتل نجم المونديال .. 

عاشت السلفادور أجواء من الرعب والاضطراب الأمني الشديد، حيث كانت المواجهات المسلحة والاغتيالات وحظر التجوال جزءاً من الحياة اليومية، وهو ما نتج عنه مقتل أوسكار روميرو رئيس أساقفة سان سلفادور القداس داخل كنيسة مستشفى صغيرة في مارس 1980.

في الساعات الأولى من صباح الأحد، 7 سبتمبر 1980، كان ساتورنينو “نينون” أوسوريو ، البالغ من العمر 35 عامًا، لاعب فريقي سي دي أغويلا و أليانزا إف سي ، والذي كان ضمن التشكيلة الأساسية للمنتخب الوطني في جميع مباريات السلفادور الثلاث في كأس العالم 1970 بالمكسيك، رميًا بالرصاص في ميكسيكانوس بينما كان يستقل سيارة أجرة رفقة زميلته ماريا يوجينيا كاسترو أغيلار، ووفقًا للتقارير، فقد رفض التوقف عند نقطة تفتيش تقع بالقرب من موقع تبادل إطلاق النار الذي وقع قبل ساعات.

في خضم هذا النزاع الدامي واستمرار العنف، خسرت كرة القدم نجوم أخرين، مثل المهاجم الدولي الشهير إسماعيل “إل سيسكو” دياز ، دافيد أنتونيو بينيو ، بالتازار راميريز “إل بيليه” زاباتا، وأخيرًا فيليكس “لا yاروبيتا” بينيدا، الذي قُتل برصاصة في الرقبة عند الكيلومتر 145 من الطريق السريع الأمريكي في الساعة 3:00 مساءً يوم 27 فبراير 1981 لعدم دفعه أموال لقاطعي الطريق.

باكو .. ماذا تفعل هنا ؟ .. 

قبل مونديال 1982 ، أنقذت العناية الإلهية ثم كرة القدم خوسيه فرانسيسكو جوفيل “باكو” ، مدافع المنتخب السلفادوري، الذي أوقفته القوات المسلحة عند نقطة تفتيش وأُجبر على النزول من سيارته بعد إبراز وثائقه، وبينما بدت الأمور تزداد تعقيدًا، تعرف عليه أحد الجنود قائلًا:

(باكو، ماذا تفعل هنا؟ تابع طريقك)

كأس العالم 1982
توقيف جوفيل عند إحدى نقاط التفتيش

كان فرانسيسكو جوفيل يحمل نفس اسم أحد قادة المقاومة الرئيسيين، الذي كان يُلقب نفسه آنذاك بالقائد روبرتو روكا ، ويشتهر جوفيل بين جماهير السلفادور بلقب “القيصر”، وتم اختياره لاحقًا كأفضل مدافع في تاريخ السلفادور

الطريق إلى مدريد .. 

الغريب في الأمر، أنه رغم كل ما سبق، خاض المنتخب السلفادوري مباريات التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم 1982 بشكل طبيعي جداً، ولعبت ثلاث مباريات من التصفيات باستاد كوسكاتلان بالعاصمة سان سلفادور، باستثناء مباراة كوستاريكا، التي رفضت السفر إلى السلفادور، وبررت ذلك بالمخاوف الأمنية التي تتعلق بالحرب الأهلية السلفادورية، إلا أنها واجهت انتقادات لاذعة، وفي نهاية المطاف، أُعلن فوز السلفادور اعتباريًا بنتيجة 2-0.

كان طبيعيًا أن يتقاسم منتخبا السفادور وهندوراس بطاقتي التأهل إلى كأس العالم، بعدأن حققا الفوز على فرق المجموعة غواتيمالا وبنما وكوستاريكا، وفي ظل تبادلهما الفوز ذهابًا في سان سلفادور وإيابا في تيغوسيغالبا

صاحب الهدف الذي أشعل حربًا .. 

كأس العالم 1982
حرب كرة القدم

في يونيو 1969 ، قام مشجعو هندوراس بمضايقة الفريق السلفادوري في الليلة التي سبقت المباراة الأولى من التصفيات النهائية لمنطقة الكونكاكاف المؤهلة لمونديال 1970 عن طريق إلقاء الحجارة والألعاب النارية على نوافذ فندقهم، فازت هندوراس بنتيجة 1-0 ، مما دفع مشجعي السلفادور، بحسب التقارير، إلى إشعال النار في الملعب.

وفي العودة، في سان سلفادور، رد السلفادوريون الصاع صاعين، حيث قاموا بأعمال شغب، مما أدى إلى سقوط العديد من القتلى، وفي بداية المباراة، تم رفع قطعة قماش متسخة بدلاً من علم هندوراس ، وفاز السلفادور بالطبع بنتيجة 3-0 .

حدد الفيفا العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي لاستضافة المباراة الفاصلة بين السلفادور وهندوراس، وبالفعل في ظل الأجواء المشحونة، انتهى الوقت الأصلي بالتعادل (2-2) ، ليضطر حكم المباراة للعب وقتًا إضافيًا، وفي الدقيقة 101 استطاع السلفادوري ماوريسيو ألونسو “بيبو” رودريغيز تسجيل هدف التأهل إلى مونديال 1970 ، وهو الهدف الذي زاد الطين بِلة، وأشعل فتيل الحرب بين البلدين، والتي عرفت في التاريخ باسم “حرب كرة القدم” .

بعد 12 عام، يعود بيبو رودريجيز ليظهر على الساحة العالمية، بعد نجاحه في قيادة المنتخب السلفادوري كمديرًا فنيًا في التأهل إلى كأس العالم 1982 بالمكسيك

الإعداد تحت دوي المدافع .. 

لم يكن لدى المنتخب السلفادوري ترف الإعداد في معسكرات أوروبية أو ملاعب مجهزةـ بل كانت التدريبات تُقام محلياً في العاصمة “سان سلفادور” على وقع أصوات القذائف وتبادل إطلاق النار القريب من الملاعب، وفي كثير من الأحيان، اضطر المدير الفني بيبو رودريجيز إلى قطع التدريب وإعطاء الأمور للاعبين بالاختباء، أو إلغاء الحصص التدريبية تماماً بسبب تدهور الوضع الأمني في محيط المعسكر.

كانت أمور المنتخب صعبة للغاية، فبعد 6 شهور من انقطاع رواتبهم، قرر اللاعبون عدم السفر إلى إسبانيا، وهو ما يُفسر تأجيل رحلة المنتخب إلى اللحظات الأخيرة، ولتجاوز المشكلة، اضطرت الحكومة إلى تسوية ديون اللاعبين من أموال مخصصة لرواتب المعلمين.

وأصدر رئيس الاتحاد السلفادوري قرار بتخفيض عدد اللاعبين المسافرين إلى إسبانيا من 22 لاعب إلأى 20 لاعب فقط، ترشيدًا للنفقات، لذلك اضطر بيبو رودريجيز إلى استبعاد كل من جلبرتو كينتيروس و ميغيل غونزاليس، وهم اللاعبان اللذان صرحا بعد سنوات بأن المسئولين حذفوا اسميهما من قائمة الفريق من أجل اصطحاب عائلاتهم إلى مدريد .

رحلة شاقة ومذلة .. 

بينما كانت المنتخبات تصل إسبانيا عبر طائرات خاصة ورحلات مريحة، قضى لاعبو السلفادور رحلة طيران ماراثونية وشاقة استمرت نحو 3 أيام، تنقلوا فيها بين عدة مطارات “ترانزيت” .

حيث انطلقت الرحلة من سان سلفادور إلى غواتيمالا، وقضى اللاعبون هناك 12 ساعة انتظار، ثم على متن رحلة تابعة لشركة إيبريا، توقفوا في سان خوسيه ثم سانتو دومينغو التي قضوا فيها 4 ساعات أخرى انتظار، قبل المغادرة إلى مدريد، حيث كان عليهم اللحاق برحلة أخرى إلى مقاطعة أليكانتي حيث معسكر الفريق.

فندق متواضع ونقص أدوات .. 

وصل منتخب السلفادور إلى إسبانيا قبل مباراته الأولى أمام المجر، ونزلت البعثة في فندق يحمل اسم فندق سانتا باربرا” (Hotel Santa Bárbara)، ويقع في بلدة صغيرة وهادئة تُدعى نويفو بازتان (Nuevo Baztán)، وتقع في الضواحي الشمالية الشرقية للعاصمة الإسبانية مدريد (على بُعد حوالي 45 إلى 50 كيلومتراً من قلب العاصمة).

كان الفندق منخفض الجودة ومتواضعاً إلى أبعد حد، أقرب إلى الاستراحات أو النُزل الريفية البسيطة، واعتُبر مقراً كارثياً لبعثة رياضية، ولم يكن محجوزاً بالكامل للمنتخب، بل كان فندقاً عاماً ومفتوحاً للجمهور والسياح العاديين، مما حرم اللاعبين من الهدوء والتركيز التكتيكي قبل المباريات المصيرية

كان الفندق يقع في منطقة معزولة وبعيدة جداً عن الملاعب ومراكز التدريب الرسمية، مما جعل البعثة تقضي ساعات طويلة ومرهقة في التنقل بالحافلة قبل المباريات، مما ضاعف من الإنهاك البدني للاعبين الذين عانوا أصلاً من رحلة سفر دامت 3 أيام من أمريكا الوسطى.

اشتكى لاعبو السلفادور لاحقاً في مذكراتهم وحواراتهم من سوء جودة الطعام المقدم، وعدم توفر التجهيزات الرياضية أو الاستشفائية الأساسية التي تحتاجها المنتخبات في كأس العالم.

لاعبو كرة قدم أم مقاتلون ؟ .. 

فور وصول المنتخب السلفادوري إلى إسبانيا، أصدر المدرب بيبو رودريغيز قرارًا بمنح اللاعبين قسطًا صغيرًا من الراحة قبل خوض أول تدريب لهم، وبالفعل، لم تمضي سوى 3 ساعات على الوصول، حتى خاض الفريق أول مران له بميدان الرماية.

عندما رأى الصحفيون الإسبان مران الفريق السلفادوري، وشاهدوا اللاعبين بدون زي رسمي، حيث خاض كل لاعب التدريب بقميص خاص وبلون مختلف، مما جعل الأمر شديد الغرابة، حتى أن بعض الصحفيين تساءل مندهشًا:

(هل أنتم حقًا منتخب السلفادور ؟)   

وخرجت إحدى صحف مدينة أليكانتي في اليوم التالي بعنوان عريض :

(لاعبو كرة قدم أم مقاتلون ؟ )  

وهو ما دفع رئيس الإتحاد السلفادوري مايورغا كاستييو إلى إرسال خطاب شكوى إلى المكتب الإعلامي للجنة المنظمة لكأس العالم

صراع أديداس وبوما .. 

كان العديد من لاعبي منتخب السلفادور لهم عقود رعاية لارتداء أحذية من النوع بوما (PUMA)، لكن الفقر المالي الذي كان يعاني منه اللاعبين، وفقدانهم لأطقم التدريب الكافية، فتح الباب على مصراعيه لشركات الملابس الرياضية الكبرى لاستغلال الموقف واختراق معسكر المنتخب بإغراءات مالية ومعدات مجانية مباشرة للاعبين، بعيداً عن أروقة الاتحاد الرسمي.

قامت شركة أديداس (ADIDAS) لاختراق معسكر السلفادور، وعرضت على كل لاعب 500 دولار أمريكي لكل مباراة من مباريات كاس العالم، وهو رقم كبير في ظل العوز الشديد الذي كان يعاني منه اللاعبين، وبسبب غياب الرقابة الإدارية الصارمة، انقسمت غرف ملابس المنتخب السلفادوري إلى معسكرين، أحدهما يرتدي ماركة بوما والأخر أديداس.

المدهش، أن بعض اللاعبين تفاوض بشكل فردي للحصول على بضع مئات من الدولارات مقابل اللعب بحذاء شركة معينة في المباريات الرسمية، وبالكبع تسببت هذه الفوضى في أن 4 لاعبين بقوا بلا عقود ولعبوا بأحذية شعبية بماركات مجهولة .

بلغت هذه الفوضى التسويقية ذروتها في المباراة الافتتاحية الشهيرة ضد المجر، حيث نزل لاعبو السلفادور إلى أرض الملعب وهم يرتدون قمصان وسراويل تحمل شعار شركة “أديداس” (الخطوط الثلاثة الشهيرة)، بينما كان جزء كبير من اللاعبين يرتدون في أقدامهم أحذية شركة “بوما”!

الهنغاريون .. 

كانت المجر واحدة من 14 فريق أوروبي أوروبي يتأهل لكأس العالم 1982 ، وكانت هذه هي المرة الثامنة التي تتأهل فيها لكأس العالم لكرة القدم، وكان الفريق قد احتل المركز الثاني في نسختي 1938 و 1954 .

وكان الفريق المجري تحت قيادة أحد نجوم كأس العالم 1962 ، 1966 وهو المدرب كالمان ميشولي، ويضم الفريق مجموعة من اللاعبين المحليين يأتي على راسهم النجم الكبير تيبور نيلاسي بالإضافة لخمسة لاعبين محترفين خارج المجر أهمهم المهاجم لازلو فازيكاس الذي كان يلعب لنادي أنتويرب البلجيكي و لازلو بالينت مدافع تولوز الفرنسي

تأهلت المجر متصدرة للمجموعة الأوروبية الرابعة رفقة المنتخب الإنجليزي، على حساب منتخبات رومانيا وسويسرا والنرويج.

الانهيار .. 

على ملعب نوفو استاديو في مدينة إلتشي بمقاطعة أليكانتي، وتحت قيادة تحكيمية من البحريني إبراهيم يوسف الدوي، وأمام 23 ألف متفرج، تلقت السلفادور هزيمتها الشهيرة من المجر  (10-1) ، رغم أن الشوط الأول انتهى (3-0) فقط ، إلا أن الانهيار جاء في ثاني الأشواط.

الهدف السلفادوري الوحيد سجله لويس بالتازار راميريز في الدقيقة 64 ، حيث كان المجريون قد تقدموا بخماسية نظيفة، ثم أكملوا العشارية بعد أن سجلت السلفادور هدفها ، الملفت بحق، أن الحكم البحريني لم يشهر أي بطاقة في وجوه لاعبي السلفادور، بينما أشهر بطاقتين صفراويين في وجهي تيبور نيلاسي ولازلو فازيكاس لاعبي المجر ، وهو ما يعكس استسلام لاعبي السلفادور الشديد .

شاهد | ملخص لهزيمة السلفادور أمام المجر (10-1)

هزيمة عار أم دعوة للفخر .. 

دخل لاعبو السلفادور المباراة وأذهانهم مثقلة بـأشلاء حرب أهلية طاحنة يتردد صدى قذائفها في بيوت عائلاتهم، كما حُرموا من أبسط الحقوق التنظيمية، بل إنهم حتى ليلة المباراة لم يكونوا يملكون كرات تدريب خاصة بهم، واضطروا لاستعارتها من منافسهم (المنتخب المجري نفسه).

حين يدخل فريق إلى أرض الملعب وهو مهزوم إدارياً، ونفسياً، ولوجستياً قبل صفارة البداية، فإن استقبال شباكه للأهداف يصبح نتاجاً حتمياً لـعشوائية المنظومة، لا لـتخاذل الرجال.

إن مجرد وقوف هؤلاء اللاعبين على المستطيل الأخضر وعزف النشيد الوطني للسلفادور في المحفل العالمي كان انتصاراً للروح الإنسانية على صوت المدافع.

لقد تأهل هذا الجيل من رحم جحيم أمريكا الوسطى، وأقصوا بـعرق الميدان قوى كروية كبرى في القارة مثل المكسيك، بفضل مهارة أسطورتهم “ماجيكو غونزاليس” وتخطيط مدربهم الشجاع “بيبو رودريغيز”، الذي لم يركن لـتكتيك دفاعي جبان أما المجر لتقليل الخسائر، بل اختار اللعب بـشرف واندفاع هجومي يبحث عن إسعاد شعبهم الجريح، غير آبهين بـعواقب النتيجة الرقمية

العودة في الخفاء .. 

بمجرد إطلاق صافرة نهاية المباراة الأخيرة للسلفادور أمام الأرجنتين والتي خسرتها بهدفي دانييل باساريللا و دانييل بيرتوني ، وكانت قد خسرت قبلها من بلجيكا بهدف لودو كوك، لم تَعُد البعثة السلفادورية ككتلة واحدة إلى العاصمة سان سلفادور، حيث كانت الحرب الأهلية في بلادهم قد بلغت ذروتها من العنف، وكان الرعب من الاغتيالات والملاحقات الأمنية يسيطر على الأجواء.

هنا انقسم الفريق، حيث رفض عدد من النجوم واللاعبين ركوب طائرة العودة إلى الوطن، وفضلوا البقاء في أوروبا أو البحث عن عقود احترافية سريعة كطوق نجاة للهروب من جحيم الحرب، وكان على رأس هؤلاء الأسطورة “خورخي ماجيكو غونزاليس” الذي التقطته أعين كشافي نادي قادش الإسباني وبدأ هناك مسيرته الاحترافية الأسطورية، والتي استمرت 9 سنوات لعب خلالها ما يقرب من 200 مباراة، مما جعل مسئولي قادش يضعون اسمه ضمن قاعة مشاهير النادي، وقام مسئولو الاتحاد السلفادوري برسم جدارية كبيرة في الملعب الذي يحمل اسمه تكريماً لكونه أفضل لاعب كرة قدم في تاريخ السلفادور .

كأس العالم 1982
جدارية ماجيكو غونزاليس

أما الجزء المتبقي من اللاعبين والجهاز الفني بقيادة المدرب “بيبو رودريغيز”، فقد استقلوا رحلة عودة ماراثونية وشاقة تشبه رحلة الذهاب. وعندما حطت أقدامهم في مطار العاصمة، لم يجدوا حشوداً بانتظارهم؛ لم يكن هناك استقبال رسمي ولا شعبي، بل كانت الأجواء مشحونة بصمت رهيب يفرضه حظر التجوال ودوي المدافع القريب

أديب الرياضة .. محمد رضوان
===========

طالع أيضًا علي كورابيديا 

🔗 سلسلة حكايات كأس العالم 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here